ضمن حدود مساحة التعب التي تنتجها العلاقة الناقصة ما بين الرجل والمرأة، استجمع الفنان عروة العربي تفاصيل تجربته الأولى على صعيد الإعداد والإخراج في عرضه »الليغرو« وجعل من المشاعر الأنثوية منطقة للكشف والبوح عن حالات الحب والهجر والانتظار، والعرض مقتبساً عن نص »آلان كناب« ـ »اللقاء«، وقد قُدّم لمرة واحدة خلال مهرجان دمشق المسرحي الفائت، ويُقدّم حاليا في صالة الحمراء ضمن عروض المسرح القومي.

ومنذ مدخل الصالة بدأت عوالم المرأة تدعو المشاهد للولوج في خفاياها عبر معرض تشكيلي للفنان زهير العربي (والد المخرج) استوحى لوحاته من فنانين عالميين، وعالجها بتقنيات الرسم بالحاسوب، وهي تؤكد حالات العزلة والانتظار، وكأنها توطئة لما سوف يشاهده المتلقي على الخشبة.

افتتح العرض أول مشاهده بامرأتين غريبتين متقابلتين، تتساءل كل منهما من هي الأخرى؟ وتتالت المشاهد اللاحقة لتجيب عن السؤال عبر الحوارات المتقطعة بين المرأتين، والتي تدور حول رجل غائب، هو زوج الأولى (زينا الحلاق) وعشيق الثانية (رغدا الشعراني)، الزوجة تنتظر زوجها المشغول دوما بأعماله وأسفاره ومغامراته العشقية.

والعشيقة تنتظر ذلك النحات المتيّم الذي سافر ذات يوم إلى روما ووعدها بأنه سوف يعود ويتزوجها ويأخذها معه، والانتظار الطويل قاد خطاها باتجاه بيته في دمشق، حيث تمّت المكاشفة ما بين ضحيتي الغياب والانتظار والخيبة، أو فلنقل ضحيتي الرجل المخاتل (جلال شموط) الذي ظلّ غائبا طوال العرض حتى اللحظات الأخيرة، حين تقدم بحقيبته إلى وسط الخشبة، ألقى بنظرات عابرة على كلا المرأتين، ثم توارى من جديد مع النهاية.

هذه التفاصيل التي سعت لخلق مناخات نفسية وحالات انفعالية ذات دلالات يمكن تعميمها على كل زمان ومكان، هذه التفاصيل احتضنها فضاء مسرحي معتم وخال من الأغراض والديكورات، تحده من الخلف ألواح متحركة وتشكله جماليا بؤر الإنارة الساقطة من الأعلى أو المنبثقة من الزوايا حسب متطلبات المناخ النفسي، في مكان ثابت يفترض أنه منزل الرجل الغائب، وفي زمن يتطابق مع زمن العرض، وأسلوب إخراجي يعتمد التجربيبة في تناوله لعناصر العرض.

فإذا كان نص »آلان كناب« قد تأسس على بلورة الشخصيات المركبة والمتماسكة، والحوارات العميقة المتسلسلة منطقيا والمتشعبة المستويات، فإن رؤية المخرج التجريبية قامت بتشظية الشخصيات، وجعلها وحيدة الجانب، وتحويل الحوارات إلى ما يشبه المنولوجات الداخلية المتقطعة التي تحيلنا إلى مؤشرات ودلالات مقيدة في إطار الحالة المفترضة مسبقا، والتي تتصاعد حدتها أو تخفت على وقع الموسيقى.

فالمشاهد مقطعة على أساس دخول عازف الكمان (نديم حسني) إلى الخشبة ومعزوفات حية وأحيانا مقطوعات موسيقية مسجلة شكّلت المنعطفات الأساسية في الحالة الدرامية، والمفاتيح الرئيسة لحوارات أو تداعيات منبثقة عن المنعطف النفسي الجديد.

وفي ظل هذا البناء التجريبي تحوّل الأداء التمثيلي عن وظيفته الأساسية في إحياء شخصيات العرض وبلورة ملامحها النفسية والسلوكية، إلى بناء الحالة الدرامية وتصعيدها ليتكامل الأداء مع عناصر الفرجة الأخرى ويندغم في إطار الفضاء العام من خلال التركيز على التضاد في لغة الجسد وطبقات الصوت ما بين الممثلتين. ففي حين رسمت العشيقة بأدائها خط الحلم المشبع بالرومانسية والحركة الناعمة، رسمت الزوجة خط الواقع المشحون بالحركة الحادة والتوتر.

دمشق ــ تهامة الجندي