أسئلة الغربة والاغتراب تنفتح على أبعاد أشد وطأة من بوابات الغياب.. فثمة مبدعون لم تحتف بهم بلدانهم في حياتهم فكيف سيكون ذلك بعد مماتهم؟
الفنان التشكيلي السوري عبد اللطيف الصمودي لم يركن إلى مكان.. دمشق، بيروت، عمان، باريس، بروكسيل، فينيسيا، جنيف، الرياض، المنامة، القاهرة، براغ وسواها من العواصم التي اهتمت بمعارضه ونتاجه الذي يمثل وحدة في توجهه المنبعث عن مبدع لا يمكن تجاهل أثره، فالعمارة والسجاد والمنمنمات والأبواب والجدران.
وكذلك استعاراته الصورية الصوفية وانفعالاته الخطية واستلهاماته لروحية الحروفيات والنصوص والتوريقات وغيرها من العناصر ما زالت كلها تنظر معنا إلى غياب معلم من فناني المنطقة العربية كان مشبعاً بضوء المتوسط وبصيرة الثقافة الإسلامية وبوح العاشق لمكانة الإبداع العربي.. فهل تحتفي مؤسساتنا الرسمية والمدنية بهذا الفنان بعد مماته؟ ألم يترك بصمة في الساحة التشكيلية تمنحه هذا الحق؟ وماذا يقول عنه معاصروه؟ وكيف ينظرون إليه وإلى فنه حين افتقاده؟
الناقد التشكيلي طلال معلا يؤكد أنه لا يمكن قراءة وضع المثقف وبخاصة الفنان في المشهد الثقافي العربي خارج حقيقة التجاهل التي يحسها المبدع وهو يبني مشروعه الذاتي، والأمر متعلق بالتأكيد بين خصوصية كل من المؤسسة الثقافية والمثقف، فالكثير يرى أن الفنان يزداد موتاً بعد موته، فيما يعول كثيرون على ضرورة إحياء نتاجه وتجربته باعتباره مبدعاً أولاً ويمثل لبنة من لبنات البناء الفكري في فترة من الزمن فيما تقع المؤسسات الثقافية العربية في إشكاليات إمكانياتها ومبادراتها لإعلاء شأن المبدعين.
فالظروف المحيطة بالمبدع العربي، سياسياً وفكرياً واجتماعيا جعلته متحركاً في موقعه العربي العام، ولهذا تشكل الغربة صفة مشتركة بين كثير من المبدعين المميزين، سواء في البلاد العربية أو باقي مناطق العالم، ولهذا فغالباً ما يبقى هذا المبدع مجهولاً في بلده الأم فيما يكون مؤثراً أكبر التأثير خارجه، لكن هذا لا ينفي ضرورة الاهتمام بعطائه وإنجازه والسعي لإعلاء مكانته والحديث عنه في حياته وبعد وفاته، والحقيقة أن المؤسسة الثقافية العربية نتيجة ظروفها المتعددة ما زالت مقصرة في هذا المجال كونها لا تمتلك الخطط الواضحة.
الدكتور يوسف عيدابي مدير إدارة التخطيط في دائرة الثقافة والإعلام في الشارقة يقول أيضاً إنه في الغالب الأعم لا تحتفي المؤسسات الرسمية أو المجتمعية بفنانيها كما يجب.. ولكن يرى أن هناك نية تتجه إلى استصدار تشريعات ولوائح تضبط وضعية المبدع بعامة والفنان التشكيلي ضمن هذه الصفة بحيث لا يكون ما يتم عبارة عن منة أو منحة أو (تفضل) بل هو حق وإسباغ تكريم على مستحق..
ويشير إلى أن استبشار الساحة الثقافية بوزارة الثقافة هو من هذا المنظور الجميل، وإلى أن هناك أحاديث تدور حول تشريعات وتقاليد لتوقير المبدع والفنان والكاتب والمثقف بعامة.. ويقول إن بداية الفأل الحسن كانت جائزة الدولة التقديرية.. ومشوار الميل يبدأ بخطوة.. دعونا نرى الجانب المضيء لأن العتمة مؤذية وضارة.
من جهته يقول الفنان التشكيلي إسماعيل الرفاعي إننا لا نعول كثيراً على المنابر الرسمية بأن تستعيد سيرة هذا المبدع فما أنجزه من فنون والروح التي تجلت بها أعماله هو خارج السياق المكرس، وخارج طبيعة الحياة التي نعيشها.. الحياة التي مضت بنفسها بعيدا بعيداً عن المعنى الذي خطه الأنبياء والشعراء والمبدعون الذين يقف الصمودي بينهم كعلامة فارقة.
هل شكل الصمودي حقاً علامة فارقة؟ وهل ترك بصمة تمنحه حق الافتقاد وامتلاك حيز في الساحة التشكيلية لا يمكن ملؤه أو تغيير لون هوائه ؟ وما هي المشاعر التي يبوح بها معاصروه في ذكر رحيله؟
يقول الرفاعي: أن تتحدث عن عبد اللطيف الصمودي يعني أن تستعيد في ذاكرتك سيرة الاستثناء في زمن كاد يخلو من الاستثناء.. أن ترى التماهي والإيغال في تجربة إبداعية مزجت الفرادة والبعد الإنساني العميق في تفاصيل العمل الفني واللحظة اليومية المعاشة.. عبد اللطيف الصمودي أوغل في اللون حتى تقطر من روحه، وكاد القماش أن يبوح بمخيلته المعجونة بروح الشرق ونبضه الخاص.
ويؤكد معلا أن الصمودي سعى من خلال تجربته البصرية لإنجاز مشروع يضيف إلى العمل الفني، فطرح حلولاً غاية في الأهمية من خلال موقعه البرزخي بين التشخيص والتجريد والحديث هنا ليس على أهميته فهذا أمر مفروغ منه وإنما الإجابة على السؤال الهام، كيف نستطيع توثيق هذا الفنان لتشكل تجربته مفصلاً هاماً في تاريخ الحركة التشكيلية العربية المعاصرة، وهل تمكنت المؤسسات ذات الصلة أن تقوم أو تساعد بإبراز ذلك؟
ويشير معلا إلى أن الصمودي أنجز أعدادا هائلة من الأعمال الفنية في حياته، وكأنه كان يعرف بأن الزمن لن يتيح له البقاء، إلا أن هذه الأعمال باتت في أغلبها موزعة في مواقع وأماكن ومتاحف ولدى مقتني الفن، وهي تحتاج إلى جهد كبير لا تمتلكه إلا المؤسسة الثقافية لجمع هذا العطاء في كتاب كبير أو مجموعة كتب لتبقى وثيقة بصرية يحتاجها كل محب للفن ناهيك عن كتاباته التي لا نعرف مصيرها..
مرايا الافتقاد
في ذكر رحيل الفنان التي صادفت الرابع والعشرين من هذا الشهر، تداعى البعض للكتابة عنه أو للتحريض على فعل ذلك، والبعض الآخر لإقامة معارض لأعماله.. وتداعى غيرهم للوقوف أمام مرايا افتقاده عبر لوحاتهم أو لوحاته.. فما انعكاس تلك الذكرى تشكيلياً عند معاصريه؟ وماذا يقولون في هذه المناسبة؟
يقول الناقد طلال معلا: منذ مطلع التسعينات واكبت تجربة الصمودي، وعملت معه جنباً إلى جنب في دائرة الثقافة والإعلام، وتعاملت مع منجزه كناقد وكصديق يرى قيمة مميزة في تفاصيل عمله، وقام بيننا حوار دائم حول كيفية إعلاء مكانة الفن في مجتمعنا، وجمعنا هم مشترك كان نتيجة التركيز على استحداث المعارض الكبرى فأسهمنا بشكل كبير في اقتراح الأفكار وتنفيذها على صعيد عملنا .
ولم نكن نندفع في إطار وقت أو زمن أو التزام بمؤسسة، بل بمشروع نهضوي أكبر من هذه التفاصيل وما زلت أذكر نبرة التفاؤل العظيمة التي كانت تعلو خطابه للمبدعين والفنانين في مطالباته باستراتيجيات للفن العربي وأحلامه باستصدار مجموعات من الكتب التوثيقية الفنية للمبدعين العرب وترجمتها دون أن يعلم بأن الأيام ستدور ليكون واحداً ممن سنطالب بتوثيقهم والوقوف على منجزاتهم.
استطلاع ـ محمود أبوحامد
