حاولت كثيرا أن أترجل عن صهوة الورق وراودتني فكرة الاعتزال، غير أن الأمر يتجاوز حدود الذات إلى مستويات أخرى لرسالة القلم، فالإنسان لا يختار دوره، والكتابة ليست مزاجاً نمارسه حين نريد، ونتخلّى عنه حين نريد.

الكتابة نمط من أنماط إنتاج الذات، والتواصل مع الآخر الإنساني، وتقديم رسالة مفروضة لا مناص من تقديمها. الكتابة حالة من الحميمية الممزوجة بالأرق والتعب، بل بالدموع والآلام. لهذا كانت الحيرة ومازالت صفة دائمة عند المبدع غير القادر على التنصل من مسؤولياته وواجباته المجتمعية.

الحروف تلامس فكري وترهقني فأستعين بالقلم ليسترسل.. الحروف كانت ومازالت تتقد اشتعالاً.. تعكس شقاء يومياتنا، وغربة النفس الناظرة لما يجري على الأرض.. تلاحقنا الحقيقة آناء الليل وأطراف النهار، وتعصف بنا وبعاداتنا الأثيرة .. يتحدث البعض عن الكتابة الموقف ضمن آفاق لا تتسع لغير الأنا المستغرقة في نرجسيتنها وأوهامها، ولكن البعض ممن منحهم الله نظرة ثاقبة يرون أن الكتابة موقف، وان الموقف ثمن يدفعه الإنسان اليوم وكل يوم، بل يلاحق الكاتب في حياته وربما بعد مماته.

هل نتخلّى طواعية عن الكتابة الموقف؟ وهل يمكن لمن دأب على دفع ثمن الموقف أن يرتدي جلباب الذات المستغرقة في أحوالها الخاصة جدا؟ وهل يمكننا إضافة قيمة معنوية وفكرية ومادية فيما نكتب؟.

مثل هذه الأسئلة لا أُجيب عليها اجتهاداً ولكنني أحيلها إلى الكتابة ذاتها، وسنرى أن في كل مكتوب رأي مؤكد، وموقف له أبعاده وأثمانه الباهضة. لهذا كانت البشائر والنذر رديفة القول، وكان التاريخ خير شاهد على دور الكتابة الحقيقية، فلقد وثّقت تلك الكتابات الحروب والمظالم .. الانتصارات والإخفاقات .. السعادة والشقاء .. وكانت دوماً خير شاهد على مصائر البشرية في جوانبها المُشرقة والمُظلمة أيضاً.

تلاحقني الأحداث وأنا أتزاحم مع الأفكار والانطباعات والآراء، فأشاهد نفسي بعين الآخر، واقرأ جوانياتي من خلال الوسط المحيط، فليس من أنا إنسانية يمكنها أن تطفو خارج الحقائق الاجتماعية الماثلة.

في مثل هذه الأيام بالذات نحن مدعوون إلى إشهار سيوف الانتقام ضد العبث الكبير الذي يطال العالم. العبث بالبيئة.. الحروب العدوانية ..الاستهتار بالقيم .. الظلم الفادح الواقع على ملايين بل مليارات البشر من سكان جنوب العالم. فليس من مبدع حقيقي قادر على الإفلات من حصار الظلامات المتواصل، وليس من قلم يمكنه أن يترفّع عن حقائق الأرض وقوانين السماء.

لقد آن الأوان لندفع الثمن المطلوب، فما يجري في العالم ليس بعيداً عنا، فالعولمة لم تعد تسمح بالمفاهيم التقليدية للسيادة والحدود، ولم تعد سياسات الحماية السابقة قادرة على فعل شيء في زمن الفضاء المفتوح وحركة رؤوس الأموال، وتمدد الاستثمارات في طول العالم وعرضه. عالمنا الجديد أما ان يكون مناسبة لإصلاح شامل، أو تكريساً لهيمنة الشيطان وحزبه، ولهذا لابد من مقارعة نقدية الأخطاء والخطايا، ولابد للأقلام الحرة من مباشرة دورها التنويري الواجب.