هل صار من الممكن إطلاق تسمية « فضائحي » على أنواع رائجة من الأدب هذه الأيام؟ وهل للفضائحية حدود ما طالما هي في مصاف الكشف والمكاشفة أيضاً؟ وهل باتت الكتابة عن الجسد وصفة سريعة للشهرة وخاصة عند الكاتبات؟
فعلاً ثمة سلعة جديدة في الأسواق، ومن يرصدها سيجدها تحت طاولات المكتبات، ولها ماركات مسجلة، أهمها كلمة الغلاف التي تتحدث بشكل مباشر وصريح عن الجسد وتفاصيل الحياة الجنسية، والشاذة منها خاصة، وساهم في ترويج هذه السلعة دور نشر عربية تبحث عن الربحية والكسب السريع وتركز بشكل خاص على نشر وتسويق الكتاب النسوي.. ولكن هل الصورة فاضحة لهذه الدرجة؟ ولماذا؟ تشدد الكاتبة الفرنسية هيلين سيكسوس، في مقولاتها على ضرورة أن تنصرف الكتابة النسائية إلى الجسد، بل والاقتصار عليه، داعية الكاتبات إلى وضع أجسادهن في كتاباتهن، وتدعو إلى تأكيد الاختلافات بين الجنسين وتحريضها ليحصل التقابل والتكامل..
بالتأكيد لا يمكن فصل هيلين عن مجتمعها وعاداته وتقاليده العادية والغريبة.. ولكن ألم يكن جسد المرأة مكمن اضطهادها منذ رقصها في المعابد إلى رقصها الآن في الفيديو كليب وما شابهه، وبالتالي حين تواجه اضطهادها ألا تحتاج لتناول هذا الجسد؟ ولماذا يتم في كثير من الأحيان نزع الجسد من سياقه ـ إذا صح التعبيرـ في الأعمال الأدبية، ألا تتناول الكاتبات الجسد في سبرهن للمشاكل الزوجية، من زواج مبكر وتعدد زوجات وإهمال واضطهاد.. وفي كشفهن للمستور من علاقات خيانة وحب وكراهية وكبت.. وما ينتج عن كل ذلك من تبعات جسدية؟ لماذا إذاً تغلب الفضائحية على البوح؟
يبدو أن ثمة خللا في المرجعيات الفكرية عند الكثير من هؤلاء الكتابات، يكمن في عدم إدراكهن أساساً أن استلاب الرجل للمرأة وراءه استلاب رجل لرجل، وخلل في البنية الكلية للأعمال الأدبية، وخاصة الروائية منها، مرجعه الرئيسي غياب المعادل الموضوعي، مما يساهم في تجريد الجسد من سياقه في كثير من القراءات، والتعامل مع الشخصيات على أنها كائنة وينبغي العودة بها إلى الماضي وليس السير بها إلى المستقبل، إلى تطورها الطبيعي..
إضافة إلى الخلل في أدوات التعبير عن مشاكلهن، فبعيداً عن ذاك المتسع من الحرية اللزجة التي تسبح فيه الأجساد في مجتمعات هيلين، ألا يمكن للكاتبات العربيات التحدث عما سبق بقليل من التورية أو الإيحاءات أو الإشارات.. أم لم يعد ثمة لبيب بالإشارة يفهم؟ ألا يقودنا هذا إذاً إلى قصدية في التعبير بهذه الطريقة الفضائحية هدفها الشهرة السريعة من جهة، وإلى إشكالية في الخطاب من جهة ثانية؟
في الوقت الذي تدعو فيه هيلين سيكسوس إلى تبني خطاب نسوي لمواجهة تمركز الخطاب الذكوري حول الذكر.. ترفض الباحثة الألسنية جوليا كريستيفا تبني الكتابة النسائية للوهم وتتساءل: «كيف يعيش المجتمع واقعه وهماً من خلال الشعارات والطروحات الخيالية؟. وكيف يتكاثر الجسد وهماً.. وكيف تتحدث الإنسانية عن أديان وأحلام وهمية؟» وتطلق كريستيفا دعوتها للبحث عن خطاب نسوي يواجه هيمنة اللغة الذكورية.
هل ثمة خطاب نسوي حتى لو عدنا إلى سيطرة المرأة في المجتمعات الأمومية؟ يزعم الدكتور فوزي رشيد في كتابه «قواعد اللغة السومرية» أنه كان للنساء في بلاد سومر لغة تدعى (Lisani Sititi) تدون أحاديثهن الخاصة أما أحاديث الرجال فكانت تكتب باللغة الاعتيادية، لكن فيما بعد فرضت لغة النساء نفسها على مجمل الكتابات، وأرجع الأكاديون ذلك إلى أنها لغة العراك (Lisani Sititi) ولغة مكاشفة وموقف، تسمي الأشياء بأسمائها لذا اكتسحت بقوة اللغة المحايدة وألغت الغيتو المفروض عليها وعلى النساء...هذا ما كان منذ آلاف السنين، فأي لغة الآن تتناسب مع واقعنا المحّير؟
يدعو رولان بارت الذي يقول عن المرأة الغربية إنها يمكن أن تستهلك جسدها في التلفزيون لتعلن عن مبيد للحشرات، يدعو إلى لغة « خنثوية » ويرفض أن تكون المرأة تحت الصفر أو تجثم على حدود الرجل.