سبعون سنة وأكثر مرت على ثورة تجديد البنية الايقاعية للشعر العربي، ومثلها أيضا الثورات العالمية لتجديد الفنون والآداب العالمية في الفن التشكيلي والمسرح والسينما..وخلال هذه السنوات الطويلة، خاض الشعراء العرب تجارب في غاية الصعوبة للانتقال بالشعر من شكله التقليدي القديم إلى شكل آخر جديد في الاسلوب والخطابة والبنية النفسية والايقاعية.
وكانت البداية بالانتقال من الشعر العمودي إلى شعر التفعيلة حيث برز في هذا المجال رواد كبار من بينهم السياب والبياتي ومثلهم كثيرون، ثم تبعتها مباشرة مرحلة قصيدة النثر التي لا تزال حتى اليوم تواجه رفضا ومقاطعة علنية من قوى التقليد في معظم المجتمعات العربية.
الملفت في هذا الموضوع أن هذه القوى التي تحارب التجديد أياً كان شكله لم تستوعب بعد ما يحدث من تطورات في الفنون العالمية، وبالنسبة لها لا يزال الفن التشكيلي عبارة عن لوحة لمنظر طبيعي تعلق على جدار البيت للزينة ليس أكثر، بينما في الغرب وفي دول شرق آسيا وأيضا عندنا عربيا.
وفي الخليج تجاوز الفن التشكيلي مفهوم اللوحة بأسرها، وما عادت أدوات الفنان هي الريشة واللون فقط بل تجاوزها إلى استخدام كل عناصر المادة، وهذه الثورة الفكرية الكبيرة طالت أيضا الشعر الذي خرج من مفهومه الضيق إلى رحابة التجريب في الكتابة بعيدا عن الشكل الايقاعي الدارج منذ مئات السنين.
أصحاب الفكر الضيق هم الذين يصابون بالحيرة كلما وقفوا أمام لوحة تجريدية، أو أمام عمل فني مفاهيمي أو أمام قصيدة نثر خالية من الايقاع أو الشكل التقليدي الدارج، ذلك لان مستوى الوعي لديهم ينحاز دائما للاشكال الجاهزة المعروفة، وكل من يخالف هذه الجاهزية يشكل في الداخل تهديما لافكار يراد لها أن تظل سائدة. وبدلا من محاولة الفهم أو استيعاب هذه الروح التجديدية المتألقة، يلجأ هؤلاء إلى أساليب الالغاء والمصادرة الفكرية وإصدار الاحكام التعسفية وأحيانا الاستهزاء بهذه التجارب.
عربيا ومنذ الخمسينيات تصدى شعراء كبار لخوض هذه التجربة الجديدة، مبدعون كبار فهموا ثورة الفكر العالمية وكتبوا وجربوا في القصيدة العربية ونادوا بضرورة إطلاقها من قيود الماضي، ومنذ أكثر من ثلاثين سنة أصبح 80% من الشعراء العرب الجدد يكتبون القصيدة الحرة المفتوحة على أنواع التجريب الفني واللغوي..تجارب ونصوص مختلفة وجديدة صارت تكتب من أقصى المغرب العربي إلى مشرقه..وهؤلاء جميعا أرواح تفتحت على فهم واستيعاب حركة الشعر في العالم ورهنت نفسها لانجاز المهمة الاصعب مهما كانت النتيجة. وهذا حال كل من يرمي حجرا في المياه الآسنة حيث لا يدرك الجميع فعلته إلا بعد وصول التيار إلى الزوايا الراكدة.