(1) في المرآب:

وقفتُ في جانب ظليل من مرآب السيارات الكبير، أنتظر صديقاً واعدني على أن يلحقني في ساعة الصباح الثامنة، كي نستقل سيارة تنطلق بنا من المرأب إلى جهة قصية في الجنوب. ارتفعت الشمس، وبلغ الضجيج أوجه، وكان نفير السيارات المعبأة في المرأب يشق طريقه بين نداءات الباعة في محلات بيع الشطائر والعصائر المحيطة بالمرأب من داخله وخارجه.

انتبهتُ إلى شريط مسجل في محل بائع العصائر يكرر جملة واحدة لا انقطاع لها: (اشرب عصير نومي بصرة اثنين بربع.. اشرب عصير نومي بصرة اثنين بربع.. اشرب عصير نومي بصرة اثنين بربع..). طغى صوت الشريط المكرور وسرى في ضجيج المرأب، ثم سكت فجأة، وبدا لي أن حركة المرأب قد توقفت بسكوته، وأن الداخلين إلى المرأب لا يخرجون، والخارجين منه لا يعودون إليه. بحثتُ في الحشود المحشورة عن وجه صديقي، فأعياني الثبات على طلعة نافرة بين الملامح المتجاورة والعيون الحائرة والخطوات المتناثرة، وملأني التوجس بانقطاع سبيلي مع هذا الحشر المسافر، الذي توقفت به حركة السفر.

اقترب مني رجل يتلفع بعباءة رقيقة النسج، وعقال مضفور بشعر ناعم، وابتدرني قائلاً: (هلاّ شاركتني القدح الثاني عند بائع العصير، فقد استغليت أن يبيعني قدحاً واحداً بربع دينار). وبينما كنا نفرغ قدحينا من عصير ليمون البصرة البارد، سألني صاحبي الكريم: (وما جهة سفرك؟). أشرتُ إلى ناحية الجنوب مهمهماً باسم المكان، فهتف الرجل كالملدوغ: (عجباً! هذه جهة سفري أيضاً).

نظرتُ حولي آملاً أن تصيد صنارتي سمكةَ صديقي في مستنقع المرأب الراكد، فلم تفلح إلا بسحب أشنات مشتبكة الجذور بأشنات المسافرين الصائدين. تبعت المسافر الغريب إلى باص خشبي مركون في طرف المرأب، وحشرتُ جسمي بين أجسام مغطاة بالملح وذرات طلع النخل، تنتظر أن يتحرك بها الباص الجاثم إلى أقصى جهة في الجنوب.

(2) الباب المسدود:

خرج ثلاثة من أخوتي، كلّ إلى مقصده في أول الصباح، فعاد اثنان منهم إلى البيت في آخر النهار، وارتحل الثالث إلى جهة مجهولة. وفي صباح اليوم التالي، خرجتُ مع أخويَّ للبحث عن أخينا المفقود بين الحشود التي أخذت تتكاثر مثل النمل، وتتكدس أمام بنايات كالحة مسدودة المنافذ والشبابيك.

ذهب أخي الأول للبحث عن أخيه المفقود في استعلامات دائرة البلدية التي يحتشد عند بوابتها المغلقة الباحثون عن قطعة أرض سكنية يبنون عليها بيت المستقبل، فلم يجد له اسماً أو رقماً في قوائم المحظوظين المعلنة على جدران الدائرة الخارجية. وسأل أخي الثاني الحشدَ المنتظر أمام دائرة الأوقاف تأشيرةَ الحجّ إلى مكة فلم يعثر على مكان مخصص لأخيه المفقود بين أسماء الحجاج. ولما أقعد البحث أخويَّ، وفقدا أثر أخيهما بين أسماء أهل الأرض وأسماء أهل السماء، خرجتُ لأسأل عنه بين الحشود، فوجدتُ حشداً أصغر من الحشود الدنيوية والأخروية منتظراً أمام بناية شاهقة صماء تزري بالبنايات الواطئة حولها، انتظمتُ في صفوفه حالاً.

كان أخي المفقود من أولئك الذين لا يفكرون بالإقامة ساعة على الأرض، ولا بالعروج دهراً في أقطار السماء، لذا حدستُ أني سأعثر عليه في الحشد الساكن المنتظم أمام شباك البناية الصماء. سألتُ الشخص الذي يسبقني في الصف المنتظم، فقال مسدداً نظرة حذرة إلى حدقتيّ المتسائلتين: (نعم. كان أخوك واقفاً في صفنا أمس وطيلة الأيام التي سبقت. كان محظوظاً أكثر منا، فقد نودي على اسمه من الشباك، وفُتح باب البناية من أجله وحده، ثم سُدّ دوننا. نحن ننتظر أن يوافينا الحظ كما وافاه).

يبدأ اسم أخي المفقود بالحرف (ك.) الذي اختصر به فرانز كافكا اسم بطله (جوزيف ك.) في رواية (المحاكمة). وأنتم تعلمون بقية الحكاية المعروفة بعنوان (القانون) أو (العدالة) التي رواها كافكا في ثنايا روايته تلك.

(3) التختبوش:

يسير الناس في باصورا هائمين على وجوههم، غير مكلفين بعمل يؤدونه أو حمل يحملونه على كواهلهم، فهم سائرون إلى مكان يجمعهم أو يفرقهم، أو يحشدهم لأمر لا يعرفون تبعاته. يجلسون على دكة مقهى أو مطعم في سراة السوق أو طرفها، وما أن ينالوا قسطاً من الراحة وقدراً من الطعام حتى يواصلوا السير على غير هدى.

(هم) أمامك وخلفك وحولك، وما دامت الشمس طالعة والطعام وفيراً والشراب مبذولاً ف(هم) يدوسون العوائق ويهرسون الحواجز ويسدون الآفاق. وما دمت من (هم) فأنت سائر مثل عقدة في حبل معقود من أول (هم) إلى آخر(هم) ساحباً أو مسحوباً لا تعرف موقعك في هذا الحبل الجرار ولا زمانك المخصوص في زمان (هم) المجرور، حيث (هم) تعادل (كل شيء) و(كل مكان) و(كل شخص) مسمّى أو غير مسمّى.

وفي آخر النهار يعود كل واحد من (هم) إلى وكره ليهضم الشحوم والزيوت واللعاب والدموع التي سربله بها الحبل الجرار. حينئذ يخيم الصمت على سكان باصورا في (كل مكان) ويبدأ (كل فرد) بسحب (كل شيء) إلى وكره ليمتصه ويهضمه ثم يفرزه تحت جنح الظلام.

ولدنا في باصورا لكي نواصل السير، حتى حلّ ذلك النهار من أوائل يناير حين شعرتُ بذوبان عقدة الحبل التي تسحبني وانقلبتُ على سكة مرصوفة بقوالب الصابون، وكان المطر يهطل مدراراً على الحشود السائرة بلا اكتراث لموعد أو جهة أو مصير. انزلقتُ بخفة مع رغوة السيول من جادة إلى جادة، مجروفاً مع نفايات الدكاكين والفواكه الفاسدة والنقود الطافية. كان الطوفان بهيجاً، فصل الباصوريين عن حبالهم وجرفهم مثل سلاحف أفقدها السيل شعورها بالثقل والخوف.

فقدَ الباصوريون اتزانهم وراحوا ينطّون ويرتطمون بالجدران والأبواب. وكنت مثل (هم) أنجرف بين الأزقة حتى أفضى بي السيل إلى زقاق (القهرمانة) ورطمتُ باب بيتها فانفتح ونفذتُ إلى حوش الدار. هتف بي صوت امرأة في صدر الدار:(لا عاصم من هذا السيل إلا هذا التختبوش فاصعد معنا).

نظرتُ بعينين مبللتين فشاهدتُ القهرمانة في تختبوش الدار المرتفع تقف على رؤوس ثلة من صحبي جراري الحبل شبه عراة يجففون ثيابهم على نيران مدفأة مستعرة. رصفتني القهرمانة مع جماعتي، بعد أن نزعت عني ثيابي، وسألتني: (ما وراءك يا رقيع؟) أجبتها: (أخبار عن قدر مقدور وحبل مجرور). أكملت القهرمانة: (وسمسم مقشور في خان أبي منصور).

ضجَّ أصحابي لغمزتها، وامتزج ضحكهم وصخبهم بهدير الرعد واهتزاز جدران الدار وتداعيها تحت ضربات السيول. ثم نادت القهرمانة على فتياتها فدخلن ودفوفهن بأيديهن، وأخذن بالنقر عليها فنهضنا ودرنا حول تختبوش الدار هائجين صائحين: (الحبل.. الحبل.. أين حبلنا يا شمطاء؟). وبينا نحن نزفّ وندور ونهتف نصف عراة، حتى ألفينا أنفسنا ثانية في اليمّ يجرفنا إلى البراح، ويلقينا في البحر.

mkhudayyir@yahoo.com