تنطلق اليوم الأحد في العاصمة الجزائرية فعاليات (الملتقى الدولي الأول للكُتّاب العرب في المهجر)، الذي ينظمه المركز العربي للأدب الجغرافي (ارتياد الآفاق) من أبوظبي، بالتعاون مع وزارة الثقافة الجزائرية والمكتبة الوطنية الجزائرية في الفترة من اليوم إلى 28 الجاري.
يحظى الملتقى بمشاركة نخبة كبيرة من المبدعين والمفكرين العرب المهاجرين من 25 بلداً عربياً، والمقيمين في أوروبا والأمريكتين، في محاولة لرصد كل ما له علاقة بالكُتّاب العرب في المهجر منذ بداية القرن العشرين وحتى الآن. عن هذا الملتقى قال الشاعر محمد أحمد السويدي راعي المركز العربي للأدب الجغرافي (ارتياد الآفاق): إن العلاقات الوثيقة التي تجمع بين كل من الإمارات والجزائر، تحديداً على الصعيدين الثقافي والفكري، بالإضافة إلى ما يجمع البلدين من اهتمام بالقضايا العربية الأساسية وعناية بحرية الفكر والتعبير، كل هذا يساعد على ما نحاوله من لقاء وحوار وتواصل.
وأكد الشاعر محمد أحمد السويدي في تصريح له بمناسبة انطلاق الدورة الأولى من الملتقى الدولي للكُتّاب العرب في المهجر أن تأسيس الوعي بالذات لا يكون دون تأسيس الوعي بالآخر، وهو أمر يتطلب استبدال لغة العنف بلغة الحوار بين أبناء الثقافات التي تتناقض أحياناً، مشيراً إلى أن هذا هو الهدف الذي يسعى إليه مركز (ارتياد الآفاق)، وهو الهدف الذي تتعمق أهميته في عالم يرى كل يوم أن ثقافة الصراع والعنف لا تقود إلا إلى الدمار والخراب.
وقال السويدي: إن هذا الملتقى هو إطلالة على مبدعينا في أوروبا والأمريكتين وفي غيرها من مهاجر، على أمل أن يصبح المركز العربي للأدب الجغرافي (ارتياد الآفاق) جسراً بينهم وبين عالمهم العربي، وقال: نحن أحوج ما نكون إلى هذا الجسر، حتى لا يكرس المنفى والمهجر قطيعة بين ثقافتنا وأدمغتها المهاجرة، وأضاف أتمنى أن ينجح الملتقى في التأكيد على هذه النقطة، مشيراً إلى أنه رغم المقولة التي تتردد منذ فترة بأن العالم قرية صغيرة إلا أنه داخل هذه القرية الصغيرة يبدو أن هناك عزلات كبيرة، نأمل أن نتمكن من المساهمة في كسر هذه العزلات، لأن الانسلاخ من الثقافة شيء والهجرة الجغرافية شيء آخر، ورب مقيم في وطنه أشد اغتراباً ممن هو بعيد عنه.
من جانبه أشار الشاعر نوري الجراح المشرف العام على مشروع ارتياد الآفاق إلى أن هذا الملتقى يوسع، بفكرته، من الفضاء الذي افتتحه مركز (ارتياد الآفاق)، معتبراً أن هجرة العربي إلى العالم وإقامته في أرض الآخر تشكل مساحة أساسية من أدب الرحلة، وقال إنها أقامة في الرحلة، وبالتالي فإن نصوصها هي نصوص الإقامة في الرحلة، وقال الجراح إن نصوص العرب عن الآخر وعن ذواتهم في أرض الآخر هي المادة الأكثر غياباً عن المكتبة العربية، وبالتالي فإن استحضارها إلى مساحة الضوء، والكلام للجراح، هو استدعاء لرواية العربي عن عالمه وعصره.
وأشار الجراح أن اختيار الجزائر لإقامة الدورة الأولى من الملتقى لم يأت من فراغ، مؤكداً أن السؤال حول الذات والهوية والتعبير عنهما وعن المنفى والهجرة وأسبابهما يحمل دلالة خاصة عندما ينعقد في بلد اغترب عن ذاته وثقافته ولغته لأكثر من 130 عاماً، وشهد أفدح ظاهرة استعمارية في العصور الأخيرة، متمثلة في الاستعمار الفرنسي الذي حاول سحق الهوية الثقافية للجزائريين والاستيلاء على حاضرهم ومحاولة مصادرة مستقبلهم.
وقال الجراح إن محاور الملتقى في دورته الأولى لا تمثل الطموح كله، وإنما هي عتبة لفتح ملف المنفى العربي في أوربا، وقال: هل يمكن أن نسمي مجازاً هذا اللجوء الثقافي العربي إلى الغرب بالمهجرية الجديدة؟ مشيراً إلى أن التفكر بمجمل دلالات هذا الوجود هو ما سوف يطرحه هذا الملتقى من خلال أسئلة المبدعين والمثقفين الذين فروا من بلادهم أو تم نفيهم أو اختاروا لأنفسهم منفى اختيارياً بسبب الحروب والكوارث والمظالم الاجتماعية السياسية.
ونوه الجراح إلى أن اللجنة المنظمة للملتقى وجهت الدعوات إلى عدد كبير من المبدعين والمثقفين العرب في المهجر، وقال: كثرة منهم شاركت، وغاب بعضهم بسبب ضعف في معنى التواصل بين أطراف هذا المنفى وهذا اللجوء العربي، وقال: ربما أن بعض ما يسود هذا المنفى من خلل جدير بأن يظهر أيضاً في تظاهرة تحاول أن ترصده، واعتبر الجراح هذا الأمر ظاهرةً صحية لأنها فرصة لطرح السؤال حول طبيعة المنفيّ بالمنفيّ، والمهاجر بالمهاجر والهارب بالهارب، مشيراً إلى أنه بعد فشل الجمهورية الإسبانية عرفت باريس ظاهرة المنفيين الأسبان، وعرفت معهم ليس فقط الشوق إلى الحرية والحنين إلى الوطن، وإنما عرفت ذلك التنابذ والتنافس والتسابق بين المنفيين على تجريح الذات بسبب اليأس والمرارة وصعوبات العيش بعيداً عن الأوطان.
