في مبادرة حضارية اختتمت دائرة الثقافة والإعلام في الشارقة، احتفالية الفنانة المسرحية «سميرة أحمد» في معهد الشارقة للفنون المسرحية، وهي المرة الأولى التي يحتفل أهل المسرح بواحد منهم ويخصصون له شهراً كاملاً من التواجد، والتذكر، واستذكار أعماله، وتسليط الضوء عليه لشهر كامل.
هنا لابد من الإشادة والثناء على مبادرة دائرة الثقافة والإعلام، والإشارة إلى أكثر من بُعد لهذه الفكرة النبيلة.
فالاحتفالية هذه تؤكد وجود مسرح متطور وفاعل، كما تعيد للأذهان انجازات البيت المسرحي من خلال استذكار أعمال الفنان المحتفى به، وتنشط اللقاءات بين المسرحيين أنفسهم وإيجاد فرصة مناسبة للحوارات الهادئة، وبناء علاقات متينة تنعكس إيجاباً على بيتنا المسرحي.
وتلقي الضوء على الكثير من المحطات الإبداعية والمنجزات التي حققها أهل المسرح، وتحفزهم على العمل والإنتاج، والعديد من الإضاءات التي يمكن تعدادها، والتي أفرزتها التجربة الأولى، تدعيماً للاستمرار وخوض تجربة ثانية لاحقة بالاحتفال بفنان آخر.
أما المحتفى بها، الفنانة الفاعلة ذات العطاء المتواصل «سميرة أحمد» فهي رمز لرائدات المسرح في الإمارات، ومن أوائل الفتيات اللواتي رهن حياتهن للمسرح، يوم كان المسرح في بداياته، والتفرغ للعمل به مثل الإبحار في وسط بحر هائج وعاصفة عاتية، لا يضمن الملاح الوصول إلى بر الأمان.
ثلاثون عاماً انقضت وسميرة على خشبة المسرح، وحسب علمي ومتابعتي ومعايشتي لتلك السنين الثلاثين، فلم تكن عدداً أو رقماً فحسب. بل كانت سنوات عمل دؤوب، ومعاناة مستمرة، وتضحيات، ومخاض طويل، أسفر عن وجه مشرق لا لسميرة وجيلها من المبدعين والمبدعات، إنما لمجمل الحركة المسرحية، وما حققه البيت المسرحي، وإذا ما أحصينا أعمال سميرة الدرامية وحركتها الديناميكية عبر السنوات الثلاثين تجد أنها حققت إنجازاً كنا لم ندركه، أو لم نتلمسه نظراً لاستمرار حياتنا، وانشغالاتنا العديدة، ولولا هذه الوقفة لما انتبهنا لكل هذا الانجاز.
في إحصائية بسيطة من خلال رصد تلك السنين نجد أن سميرة أحمد شاركت في 36 عملاً تلفزيونياً و11 عملاً إذاعياً، وقدمت ثلاثة برامج تلفزيونية من دبي، والشارقة، وأبوظبي، ومثلت في 22 مسرحية، وثلاث دورات في أيام الشارقة المسرحية، كما مثلت الدولة في عشر مهرجانات مسرحية عربية وعالمية، وحصدت العديد من الجوائز في مهرجانات مسرحية خليجية وعربية، وتعاونت مع 46 مخرجاً مسرحياً وإذاعياً وتلفزيونياً.
في المحصلة النهائية أن السنين التي قضتها سميرة أحمد في المسرح أنجزت خلالها كماً ونوعاً ما لم تنجزه فنانة أخرى، وهي طيلة تلك السنوات كانت في مقدمة بنات جيلها في العطاء والإبداع، وفي مستوى المسؤولية، ولعلي لا أبالغ فإن قامتها المسرحية وازت ونافست العديد من الفنانات العربية اللواتي ننظر لهن باحترام وإعجاب، ونثمن قدراتهن الإبداعية.
ولعلي هنا أذكر تجربة فريدة خاضتها سميرة أحمد بشجاعة، ومسؤولية، عندما أصبحت بديلة للفنانة الكبيرة منى واصف في مسرحية (مقهى بو حمده)، واستطاعت أن تؤدي الدور بإبداع بل وانتزعت جائزة عربية في مهرجان قرطاج، هي والفنان المبدع أحمد الجسمي.
الحديث عن الفنانة سميرة أحمد قد لا تستوعبه هذه الزاوية محدودة المساحة، والمبادرة الحضارية لدائرة الثقافة والإعلام أكبر من الحديث عنها باختصار، بل لابد من انتظار إفرازاتها واستمرارية التجربة. إلا أن الإشارة كان لابد منها، وإذا كان الحضور لم يكن بمستوى الطموح، فإن المسافات الطويلة تبدأ دائماً بخطوة واحدة.
