منذ فترة غير قصيرة أنجزت كتاباً حمل (عين الوافد) كان الكتاب بفصوله القصيرة تنويعاً جمالياً على الأدب الإماراتي الحديث في القصة والرواية والقصيدة، منطلقاً من مسلّمات نقدية كثيرة تتعاقب باطراد، إذ بات واضحاً أن النقد الأدبي الحديث أخذ يتشكل في ذاكرة الكتابة الجديدة، ويحقق تماساً إيجابياً في تشكلات العمل الإبداعي بشكله العام، وبالتالي فالتأثير المتبادل أخذ ينشط بين الجانبين، الناقد والمبدع، بحسابات المعايير الفنية التي يجتهد فيها الاثنان.

وهذه النظرة العامة قد تصلح مدخلاً لمعاينة الواقع النقدي المحلي في تجاربه وتجلياته المختلفة. ولا يبدو الخوض في موضوع كهذا مجدياً تماماً بالنسبة لي ككاتب، ولكني أنظر للمسألة من باب المطالعة الضرورية لكل مستجد نقدي يمكن أن يثري المبدع ويؤسس من جانبه حواراً معه، ولكن إذا نظرنا إلى أوقات سابقة من مشهد النقد الأدبي بعمومياته، سنجد أن الفاصلة العريضة بينه وبين الخلق الفني الإبداعي عميقة، وتكاد تكون خطيرة، بسبب استحواذ الكاتب على المهيمنات النقدية الآلية، وسحب النظريات النقدية إلى ساحته الإبداعية.

وهذا الأمر إقرار بتراجع النقد، أو بصلته المباشرة بما ينتجه الأدب من قصص وقصائد وروايات وأعمال إبداعية أخرى، فهو تابع إلى مشهد النص في تطوراته الفنية، ومَن يرى أن آلية النقد الحديث قد تغيرت مساراتها وانفصلت عن مثل هذه التبعية التي أفترضُها، وهي حقيقة، فهو لا يدرك أن النظريات النقدية الحديثة قد أنشأت فرضياتها النقدية على أعمال كلاسيكية كبرى في الذاكرة الأدبية العالمية، ومن ثم حاولت أن تستقل مؤسَّسَة على كونها نتاجَ عصرٍ جديد استنبط منهجياته من واقع أدبي جديد، في حين أنها ظلت والى الآن تستمد عافيتها النقدية من أدب القرن التاسع عشر وأدب القرن العشرين.

وما أريد أن أصل إليه أن النقد الأدبي لا يمكنه أن يستقل بذاته مادام ثمة إبداع يتشكل يومياً وينمو ويصل إلى آفاق معرفية متنوعة، ولكن هذا لا يعني موت النقد، فالنقد يظل حياً، متجدداً هو الآخر، يضخ إلينا دروساً جديدة في كشف النص الأدبي ويقترح قراءات أخرى إليه من زوايا أجزم أنها زوايا نظر جادة وجديدة، على أن هذا الأمر يظل هو الآخر في ساحة التجربة النقدية قابلاً للنقد والتحريض المضاد والرفض الصريح، فالقراءات النقدية الجديدة أتاحت الفرصة بخلق جدل واسع بدأ ولا أظنه ينتهي الآن.........

الفرص النقدية المتوفرة في العصر الحديث تكشف آلياتها على وفق قراءات مختلفة، ويمكن أن نرى الناقد العربي قد تحول هو الآخر إلى هذه المظان المستحدثة التي فتحت له أفقاً واسعاً في القراءة الجديدة.

« عين الوافد» مقالات تناولت بعض الأعمال الأدبية الروائية والقصصية والشعرية لأدباء إماراتيين، وهي لا تطمح أن تؤسس قاعدة نقدية لها، أو تنطلق من قاعدة نقدية واحدة، بقدر ما هي إطلالات ذوقية افترضتْ أن الكاتب يتمكن من أن يرى العمل الإبداعي من زاوية نظره النقدية والمعرفية والجمالية، وهكذا جاءت هذه الكتابات مقترنة بهذه النظرة دون غيرها، لكنها تطمح أن تشكل «قراءة» أولى لمعظم الأعمال المنوّه عنها في هذا الكتاب وقد تطمح إلى ما هو أبعد من ذلك في مستقبل الكتابة.

أريد أن أقول أيضاً إن «عين الوافد» تتأثر بما ترى وتقرأ، أي تتأثر بالمكان الذي «تقيم» فيه وتتطبع على تقاليده الاجتماعية والثقافية، وبالتالي ما تراه هذه العين هنا ليس عابراً أو سياحياً، إنما هو نوع من البحث والاستقراء والاستنطاق الأولي للظاهرة الثقافية في دولة الإمارات، مع اعترافي أن «عين الوافد» عنوان ليس نقدياً بما يدلل على مضمونه، لكنه عنوان تبريري في شكل من أشكاله المباشرة، فالمقالات القليلة التي ضمها الكتاب وتمثَّلها لا تعني أن هذه العين رأت المشهد كله، لكنها التقطت من الحديقة الثقافية الإماراتية نصوصاً لأدباء وأديبات من أجيالٍ مختلفة ووضعتها في مختبر ذوقي/جمالي.. لأن الحقيقة لا يمكن أن تكون كاملة دائماً..

لم يكن اختياري لهذه الأسماء مقصوداً تماماً، فقد يكون العمل الصحافي/ الثقافي أحياناً وراء بعض الاختيارات، وربما إعجاب الكاتب ببعض النصوص القصصية والشعرية والروائية وراء ذلك أيضاً، لكنها في مجملها كُتبت عن قناعة شخصية ثابتة.

waridbader@yahoo.com