أشرقت في الدجى فلاح النهار

واستنارت بنورها الأسحار

من سناها الشموس تشرق لمّا

تنبدي وتنجلي الأقمار

تسجد الكائنات بين يديها

حين تبدو وتهتك الأستار

وإذا أومضت بروق حماها

هطلت بالمدامع الأمطار

ذاك وصف صبية ـ كما يقول كتاب ألف ليلة وليلة ـ غراء بهيّة، خرجت من صندوق جني. في البيت الأخير تظهر إحدى صفات شعرنا العربي، المبالغة القصوى أو المتطرفة كما نقول اليوم للأحاسيس. فإذا أشرقت الشمس ـ الصبية ببروقها في الليل فإنها تحرق قلب العاشق، فيبكي بغزارة الأمطار. أي وصف هو هذا؟

بدأنا بالأمطار وبما روته شهرزاد لنصل إلى أن إعصار (جونو) الذي يجلب المطر ليس أمراً غريباً في ذاكرتنا الشفاهية وفي الأدب والشعر والحكايات الشعبية. بالمقارنات نصل إلى مقاربات مدهشة. في الأبيات السابقة يغدو حزن الإنسان مطراً من شدته وهو حزن الحب لا أي حزن آخر، وللمفارقة فهذا الحزن يصبو إليه شعراء العربية دون غيرهم من الشعراء، ولعل هذا ما يجعل الآخرين ينظرون إلينا على أننا مفرطون ومتطرفون في مشاعرنا وشهوانيون تقودنا غرائزنا أكثر من عقولنا.

إلا أننا نرغب بسرد ما سبق هذه الأبيات من أحداث لنصل إلى شيء آخر. في حكاية الملك شهريار وأخيه شاه زمان وهي مفتتح «ألف ليلة وليلة» يخرج الاثنان سراً من القصر بعد خيانة زوجتيهما لهما إلى أن يصلا. إلى شجرة في وسط مرج عندها عين ماء بجانب البحر المالح فشربا من تلك العين وجلسا يستريحان. فما كان بعد ساعة مضت من النهار إذا هم بالبحر قد هاج وطلع منه عمود أسود صاعد إلى السماء. ويتحول العمود إلى جنّي عظيم.

يمكن لنا تصور أن الأحداث تجري في مكان ما قريب من المحيط الهندي في منطقة بين فارس والهند حيث ولدت (الليالي). إن العمود الأسود الصاعد إلى السماء ما هو إلا (إعصار) يشبه (جونو)، وهو (دولاب) أو (دالوب) بلغة أجدادنا البحارة، والذي يجري في موسم (الرياح الموسمية) أو المونسون أو موسم (البراصات) أو الأمطار باللغة الأوردية.

أتذكر بوضوح حين كنّا صغاراً أن ما يشبه الإعصار يحدث فوق رمل الصحراء. كنّا نرى العاصفة الرملية تتحول إلى دوّامة تثير الأغبرة وتجعل الأشياء تطير في دوران حلزوني إلى الأعلى. مثل تلك الأعاصير يمكن أن تحمل الإنسان من مكانه إذا حدث أن كان في «عين العاصفة» فترفعه إلى الأعلى ثم تهوي به. ونتذكر ما هو قريب من جني ألف ليلة وليلة حيث سمي الإعصار الصحراوي بـ (كوير الجن) فهو في الميثيولوجيا الشعبية جني يطوف على المناطق مخلفاً الخوف والرعب والدمار. وكوير من (كوار) وهو الموضع الذي تشعل فيه النار للحصول على الجمر.

ولو واصلنا البحث سنجد شواهد لا تحصى على ذكر هذه الظواهر في تراثنا الشعبي. وكمثال نجد الأغنية البحرية (ضربنا دولاب). يقول الملحن الإماراتي إبراهيم جمعة انه اختار اللحن الشعبي والكلمات، وجاء الملحن الكويتي يوسف دوخي ووزع لحنها التراثي بشكل حديث وأشرف على تسجيلها في القاهرة، إذ قامت الفرقة الماسية بعزفها بقيادة أحمد فؤاد حسن وغناها عبدلله بالخير في السبعينات:

ضربنا دولاب في غبة الهند

وانكسر سكّانا لا حول بنرد

أي واجهنا إعصار في عمق بحر الهند فانكسر مقود السفينة لهذا فلا حول لنا ولا قوة إلا أن نعود إلى الساحل. وكان البحارة يغنون هذه الأغنية في السفر (العود) أي السفر الكبير إلى سواحل شرق إفريقيا وسواحل مالابار جنوبي الهند.

ما ان عبرت الطائرة القادمة من جنوب الهند أجواء عمان وحلقت فوق ساحل الإمارات الشرقي في طريقها إلى مطار دبي حتى قرأنا على الشاشة أن المدة المتوقعة للهبوط هي 20 دقيقة. لكن الوقت مر ولم نصل، وبعدها سمعنا صوت القبطان يعتذر عن التأخر وكان السبب وجود ازدحام على المهبط.

إلا أن الأمر كان مغايراً حين كانت طائرة (الإمارات) متجهة صوب الجنوب الهندي. فبشائر الرياح الموسمية كانت قد اقتربت، معلنة ختام فصل الشتاء وموسم السياحة لديهم بنهاية شهر مارس. حين اقتربنا من عاصمة «كيرالا» «ترافاندرام» في أقصى الجنوب الهندي، كان هناك فعلاً ازدحام غيوم كثيف. قال القبطان معتذرا: «توجد عاصفة رعدية فوق المدينة وعلينا أن ننتظر على مسافة عدة أميال حتى تأذن لنا السلطات بالهبوط».

بعد نصف ساعة انسابت الطائرة بكل هدوء بين أمواج الغيوم. كنتُ أنظر إلى الشاشة التي تنقل صورة حية من مقدمة الطائرة وهي تخترق كتلاً وردية اللون بينما تنبعث أنغام موسيقى هادئة في الكبينة ذات الضوء الخافت. هكذا بدت العاصفة التي ابتعدت عنا قليلاً.

وقف (ساتيش) في صالة الاستقبال يحمل مظلته بانتظاري، وفي السيارة في طريقنا إلى الفندق كان المطر يهطل على هذه المدينة الساحلية العتيقة. وبعد أسبوعين من تلك الرحلة ازدادت حدة العواصف وارتفعت الأمواج وخلت الشواطئ والفنادق من السيّاح الأوروبيين.

من هنا إذن تبدأ رياح «المونسون» أو الرياح الموسمية، من «ترافاندرام» كما يقول ألكساندر فلاتر صاحب كتاب (ملاحقة المونسون) الذي بدأ بفكرة تبدو مجنونة وهي ملاحقة رحلة الرياح الموسمية.

قال احدهم متحدثا للمؤلف عن الأمطار الموسمية: «هل يمكنك ملاحقتها؟» فرد آخر: نعم يمكنه ذلك إذا تمكن من ملاقاتها في (ترافاندرام) حيث تدخل الرياح إلى الهند، نعم يمكنك ذلك. فقال آخر ضاحكاً: سباق مع الأمطار، هذا غريب، من جنوب الهند حتى الهيمالايا..

وهذا ما قام به المؤلف بالفعل. فمع بداية يونيو تهب الرياح وتسير في ذراعين صاعدين أحدهما شرقي والآخر غربي، الأول يذهب شرق الهند حيث يحمل كتل غيومه السوداء المليئة بالماء ليلاقي خليج البنغال وبورما وبنغلاديش ثم ينحني منتصف يونيو صوب الشمال الهندي، ويصل دلهي ثم كراتشي في منتصف يوليو وأغسطس. أما الذراع الغربي فيمسح شواطئ البهار في مالابار ويمر فوق (غوا) ويتجه صوب مومباي لكي تنهمر أمطاره بغزارة قل نظيرها في مناطق أخرى في العالم. هذه الرياح تبدأ في مايو وتستمر حتى أكتوبر في موجات يومية أو أسبوعية متواصلة لا تهدأ.

إن ما وصلنا من أعاصير الرياح الموسمية التي ضربت شواطئ عمان وشرقي الإمارات ما هو إلا أمر يحدث كل عام في جوف المحيط الهندي، إلا أنه من النادر أن يصل الإعصار بقوته إلى الشواطئ ويدمر ما يمر به كما حدث قبل أسبوعين، وبالرغم من الحزن الذي ظلل هذه المنطقة نتيجة الدمار فإن الأمر مخالف في الهند.

فأمطار الدموع في هذا الموسم لا تهبط من المدامع حزنا كما قال شاعر ألف ليلة وليلة وإنما تنهمر دموع الهنود فرحاً، فكلما ازدادت حدة العواصف والأمطار كلما كان موسم الزراعة خصباً ووفيراً.

تصحيح:

ورد في مقال الأسبوع الماضي بالخطأ أن العاصفة التي هبت على دبي كانت عام 1946 والصحيح عام 1958 والتي توفي فيها أحمد بن بطي البواردي وليس جمعة بن بطي البواردي، لهذا لزم التصحيح.

خالد البدور