هل ثمة أدب يمكن أن نطلق عليه هذه التسمية ؟

إن العلاقة بين الأدب والشهرة إشكالية ومتغيرة باستمرار عبر الزمان والمكان، وتخضع دائماً للمفاهيم النسبية، وليس ثمة أدب يمكنه أن ينال الشهرة السرمدية وإن دخل في سجلات التاريخ، فملحمة الإلياذة التي تحكي قصة حرب طروادة وتعتبر مع الأوديسا من أهم الملاحم الشعرية الإغريقية، اكتسبت وأكسبت صاحبها، الشاعر الأعمى هوميروس المشكوك في وجوده، شهرة عالمية عبر فترات تاريخية طويلة،

لكن هذه الشهرة لم تعد مثار اهتمام الكثيرين هذه الأيام مع إمكانية إسقاط الكثير من عبر هذه الملاحم على ارض واقعنا، وربما يرجع السبب الرئيس في خبو هذه الشهرة إلى ارتباطها بحدث معين، والأمثلة عن ذلك كثيرة قديماً وحديثاً، كما هو الحال في رواية «الأم» للكاتب الروسي مكسيم غوركي، فقد كانت في زمنها من أهم الروايات، وانتقلت شهرتها إلى كل حركات التحرر في العالم، أما الآن فلم يبق منها إلا بعض العبر.. وربما الشغل على الذات البشرية ودواخلها، هو ما يمنح شهرة العمل وقتاً أطول، ونرى ذلك بوضوح في أعمال الأديب الروسي دستوفسكي.

ومن المفارقات اللافتة أن ثمة أعمالاً أدبية تكتسب شهرتها بعد وفاة أصحابها، وأن ثمة أعمالاً تسبق زمنها، وربما شهرتها، كرواية «1984» التي كتبها إريك آرثر بلير المعروف بجورج أورويل عام 1946 قبل وفاته بأربعة أعوام متأثراً بمرض السل ولم يكمل الخمسين من العمر.

إذاً ثمة علاقة جدلية بين المنجز وصاحبه من حيث الشهرة، فالكاتب يقدم لعمله الكثير، والعمل بالتالي يرد الجميل لمؤلفه، أكان على قيد الحياة يجني ثمار هذه الشهرة، أو لم يكن.. وهي العلاقة الحقيقية والطبيعية بين المبدع ومنجزه، بيد أن هناك الكثير من الإشكاليات في الوصول إلى هذه الشهرة، فثمة شهرة مشتركة، بعيدا عن النشر والتسويق، هي بين الكاتب والعمل والمترجم، والمثل الواضح في ذلك هو المترجم غريغوري راباسّا، الذي ترجم أعمالا لميغيل أنخيل أستورياس، ماريا فارغاس يوسّا، خورخي أمادو، أوكتافيو باث، يواكيم ماشادو دو أسيس، بالإضافة إلى خوليو كورتازار وغابريل غارسيا ماركيز..

وإن كانت هذه الترجمات تقد شهرة مشتركة، لكن ثمة شهرة قد تتكئ على أخرى وتعيد لها ألقها، وثمة شهرة تصعد على أنقاض أخرى.. وبعيداً عن الشعر وتداخلاته وانتحالاته، دفاتر التاريخ مليئة بنصوص وقصص ومسرحيات وروايات تتم محاكاتها، وربما ببعض الإضافات، وربما بالكثير من الإبداع، وتتركب الشهرة هنا على الشهرة..

فرواية السيد الرئيس أو البابا الأخضر لميغيل أنخل أستورياس جدد شهرتهما الروائي ماركيز، وإن اختلف النقاد على مدى تأثره بهذه الرواية أو تلك، أو محاكاته لبعض أحداثها أو شخصياتها، وخاصة في خريف البطريرك ومئة عام من العزلة.. وجاء الروائي الجزائري رشيد بوجدرة وكتب روايته ألف وعام من الحنين ليبني شهرة ثالثة متكئاً على مئة عام من العزلة، وثمة من يقول إن للرواية اللاّتينية أثراً واضحاً في أعمال واسيني الأعرج، ويمكن أن يدرج ذلك ضمن ما يسمّى في السرديات بلاوعي التناص.

ورغم كل هذا، تبقى هذه الأعمال في دفاتر التاريخ، لكن ثمة ظاهرة هذه الأيام يمكن تسميتها بأدب الشهرة، لأنه بات لهذا الأدب - أدب الساعين أصحابه للشهرة وحسب- خصوصية معينة أساسها الإثارة والكتابة عن الجسد بإسفاف، وخاصة عند الكاتبات، وزاد الطين بلة دخول هذا الأدب في السوق التجارية ومعادلة الربح والخسارة، وكلما كان الكتاب ممنوعاً صار مرغوباً وازداد شهرة وهكذا.

abuhamed@albayan.ae