لم يجد زاهي وهبي فكاكاً من الشعر، رغم انغماسه في الإعلام التلفزيوني منذ ما يزيد على اثنتي عشرة سنة، وظل يعاكس نجومية الشهرة هارباً منها إلى الكلمات، فكان حضوره بين الصفحات الثقافية لعدد من الصحف والمجلات العربية إصراراً منه على إبقاء الوميض الشعري مشتعلا بمواكبة عمله التلفزيوني كمعدٍ ومقدم لبرامج في تلفزيوني المستقبل وإذاعة الشرق اللبنانيين.
يعتبر زاهي وهبي أن الكتابة هي الأنقى والأبقى من نجومية الشاشة وإبهارها. وهذا ما ستظهره الشهور المقبلة من خلال عدد من الإصدارات الجديدة التي يعكف على إنجازها. في زيارة له إلى مكاتب «البيان» التقينا الشاعر والإعلامي زاهي وهبي: ـ بداية نتساءل عن الهدف في تجميعك مراجعات بحثية ونقدية حول المسرح منشورة في كتابك الجديد «3دقات..بيروت على خشبة مسرح»؟ ـ التوقيت له معنى والمعنى الأساسي هو استحضار مرحلة حياة المدينة يوم نفضت عنها غبار الحرب فراحت تتلمس زمانها الجديد ليس فقط بالعمران والمباني انما أيضا بالشعر والأدب والرواية والمسرح وهذه المراجعات التي كتبت في جريدة النهار كانت تواكب الحركة المسرحية في بيروت عام 1990 فالمسرح اللبناني مسرح مهموم ومشغول بالحياة الاجتماعية والسياسية والتحولات والسجال والنقاش في بيروت آنذاك.
وخاصة مع بداية مرحلة الطائف ومع مشروع الرئيس الحريري وما رافق هذا المشروع من سجالات مؤيدة ومعارضة فجاءت هذه العروض المسرحية مواكبة لذلك العقد، وهو عقد مفصلي وخاصة مع نهاية ألفية وبداية ألفية جديدة هذا الكتاب هو تحية لبيروت التي تعيش اليوم مخاضا وآخر ومعاكسا إذا صح التعبير هي مرحلة ماض وأسئلة وقلق وحنين الكتاب بهذا المعنى جاء تحية لبيروت بشوارعها وأزقتها وناسها، وهناك جزء من الكتاب يخرج من صالة المسرح إلى الشارع ومقاهيه إذ إنني اعتبر المقهى امتدادا لمسرح الحياة اليومية بتناقضاتها وتفاصيلها كافة.
ـ أين المسرح اللبناني اليوم، وكيف ترى المستوى الذي بلغه في الساحة الثقافية عموما؟ ـ المسرح مر في مرحلة ركود بين عامي 2000 و2005 وهذا الكتاب ما هو الا انطباعات متفرج كاد أن يقفز من الكرسي إلى الخشبة وكأن هذه المدينة كلها عاشت أو واكبت رحلة صعبة يتولد عندها إبداع من نوع آخر.
ولكن هناك عودة إلى المسرح في الأشهر الأخيرة، وحين صدر الكتاب قبل فترة وجيزة كان هناك حوالي سبعة عروض تقدم على خشبات المسارح في بيروت ومنها «بوابة فاطمة» لروجيه عساف وشلح الطربوش لايلي كرم و«جرصة» لرفيق علي احمد بينما قدم منصور الرحباني في دبي «زنوبيا» ، وبالكلام عن «زنوبيا» فهو عمل ضخم استخدم الفضاء المسرحي بكل أبعاده وكواليسه أيضا، فالمشاهد يمكنه متابعة عمق المسرح من الداخل بالرغم من وجود بعض التكرار في الأسلوب الرحباني.
ـ كيف وجدت النصوص الشعرية المغناة في «زنوبيا»؟
ـ النصوص المغناة هي إبداعات منصور الرحباني الشعرية، والتي تشعر بلمعانها، رغم انها وظفت في مطارح بعيدة عن السياق المسرحي.
ـ أهديت الكتاب إلى الشاعر اللبناني «شوقي أبو شقرا» ما المغزى من ذلك ؟
ـ إنها تحية لهذا الشاعر الرقيق، ويحضرني الآن حين كان مسؤولا عن الصفحة الثقافية في صحيفة «النهار» اللبنانية، كان مكتبه يعج بالمحبين من مثقفين مريدين، وفتح أبواب «النهار»، أمام المثقفين اللبنانيين والعرب على اختلاف مذاهبهم وتياراتهم الفكرية، وحين أقيل من وظيفته لم يسأل عنه أحد، حتى أن أصدقاءه الذين يتسقطون أخباره لا يتجاوز عددهم أصابع اليد الواحدة.
وأنا كما تعلم من أشد المعجبين بهذا الشاعر الذي يكتب قصيدته على صفحة من البياض، وهو من الأشخاص النادرين، لذا يحلو لي أن أطلق عليه لقب معلم، تعلمت منه أسلوب الكتابة في صحيفة «النهار، » كما آمنت بنهجه في عدم البحث عن الأشخاص الذين يشبهونني في أسلوب الكتابة أو الرأي، ما أكنه لهذا الشاعر يفوق الاحترام بكثير.
ـ في خضم عملك التلفزيوني الذي يأخذ جل وقتك، هل تشعر أنك لا تزال على تواصل مع الكتابة والقصيدة؟
ـ في بداية عملي التلفزيوني وقعت تحت تأثير ضغط العمل والشعور المتناقض اللذين يسيطران على الإنسان بسبب الخيارات التي أمامه، والتجاذبات التي يعيشها. فهذه المهنة لها ظروفها وضغوطها.
والعمل التلفزيوني كأجيج النيران، كلما رميت حطباً اشتعل أكثر وتطلب مزيداً من الحطب، رغم هذه الحياة الضاغطة، رأيت في قرارة نفسي، أن أبقى شاعراً فحياتي اليومية هي حياة شاعر، ولا أزال حتى اليوم أرتاد المقاهي ذاتها وأصدقائي هم شعراء وأدباء، وكان لدي ذلك الإصرار الدائم على الكتابة حيث أصدرت خلال عملي التلفزيوني ديوانين، فالشعر هو الأنقى والأبقى والإعلام هو مهنة، بينما الشعر هو الحياة بأبعادها.
ـ هل لديك شعور أنك تشبه شعراء معينين في موضوعاتك وهمومك؟
ـ في مراحل البداية تأثرت بالشعراء أنسي الحاج، ومحمد الماغوط، ومحمود درويش على اختلاف تجاربهم المتنوعة، وعلى المستوى الشخصي تربطني صداقة متينة مع الشاعر شوقي أبو شقرا، أما الشاعر بول شاوول فقد شرح لي مفاتيح اللعبة المسرحية في بداياتي، وأول عرض مسرحي علقت عليه هو «الحلبة» الذي كتبه بول شاوول نفسه، وفي كتابي الجديد اخترت شاوول ليحتل الصفحات الأولى من الكتاب ليس عن عبث، إنما يعود إلى ما أكنه له من تقدير واحترام.
ـ علاقتك الإنسانية بالرئيس الراحل رفيق الحريري، عبرت عنها في الكثير من المقالات والمناسبات، وعلمنا أنك بصدد إصدار كتاب يتناول سيرته، هل تحدثنا عن ذلك؟
ـ من المصادفات الجميلة في حياتي انني كنت قريبا من الرئيس الشهيد رفيق الحريري عشت على مدى عقد من الزمن معه، وكنت أتردد بشكل يومي إلى دارته في منطقة قريطم، واشارك في جلساته الخاصة، وكثيرا ما تسنى لي الاستماع إلى الكثير من القصص حول طفولته، ونشأته وانتمائه إلى حركة القوميين العرب.
وزياراته إلى باريس ودمشق والقاهرة والاشخاص الذين تأثر بهم، وكثيرا ما كان يتحدث عن الفقر والحب والأبناء وفي حديث لي معه في «خليك بالبيت» سألته إلى أي طبقة ينتمي، فأجاب انه ينتمي إلى الطبقة الوسطى، فهذا الرجل كما وصفه الصديق النائب باسم السبع هو رجل عاش فقيرا، رغم ما كان يمتلكه من مال وهذا الكتاب هو بمثابة تحية له ولذكراه يمكنني القول هو رجل نهضة وكتبت حياته على حياة البشر.
ـ تقدم حاليا برنامجك الجديد «أحلى الناس» على شاشة المستقبل ما مساحة الثقافة وحضورها ضمنه؟
«أحلى الناس» هو بالمضمون تتمة لبرنامج «خليك بالبيت» اذ يوفر التواصل مع المشاهد والمشارك، ومن حيث النوعية هو استقطاب شريحة جديدة من الفنانين الشباب سواء كضيوف او مشاركين من أمثال ندى أبوفرحات وعمار شلق، بينما «خليك بالبيت» كان الكثير من الضيوف يظنون انه مخصص للمخضرمين فقط، لذا حاولت منذ الحلقات الأولى من «أحلى الناس» ان أغير هذا الانطباع باستضافة الشباب مع الحرص على بقاء مساحة لكل المبدعين من أمثال محمود ياسين ورفيق علي احمد وأنطوان كرباج وقريبا طلال حيدر، اما مشاركة الطلاب في هذا البرنامج فقد سمح لهم بالإدلاء بوجهات نظرهم.
ـ قلت مرة إن الكتابة بالنسبة إليك هي الأفضل، ما الذي دفعك إلى ذلك؟
ـ مرحلة بعد الزواج ساعدتني كثيرا على التركيز على القراءة والكتابة معا، ما وسم كتابتي بازدهار وحيوية، لم أكن أجدها سابقا وسط انغماسي في عملي التلفزيوني.
ـ حضورك بالكتابة في المجلات والجرائد اليومية هل تريد منه التواصل أكثر مع الناس؟
ـ بالطبع الكتابة تؤمن لي التواصل مع الآخر فانا كما تعلم تنقلت فيما مضى ما بين الصفحات الثقافية في «النهار» و«السفير» ولا أزال حتى اليوم اكتب في مجلة «زهرة الخليج» الإماراتية مقالة أسبوعية تتوزع بين الاجتماعي والفني وأراعي فيها أن تصل إلى الناس كافة لكونها مختلفة عن الكتابة النخبوية. وأنا الآن لا أزال اكتب في صحيفة «الحياة» تحت عنوان «حبر وملح» وهذا العنوان احمله معي من مكان إلى آخر. ألا ترى معي انه طالما هناك بين الناس «خبز وملح» ، يوجد أيضا «حبر وملح» بين الكاتب والقراء؟
دبي ـ سامي نيال

