لن تحقق اتصالاً عميقاً مع امرأة عراقية، تختصر خصوبتها في ولادة أجيال من الصخور (تنحدر من صخر الخنساء)، وتحجب طلعتها الجنسانية بأقنعة رثائية. حيثما التفتَّ وجدتَ هذه العلامة الولود واقفة وسط سينوغرافيا مسرحها اليومي المعتاد، محفوفة بثلاث علامات متضافرة: التنور والقِدر والمجرشة. لكنها في فصلها التراجيدي الأخير أضافت (أم فلان) علامة جديدة إلى مسرحها: التابوت. وبذلك تم انفصالها عن الجاذبية النسوية مثل كوكب غير مكتشف في المجرة الإنسانية المعاصرة.
لن تمسك بكينونة امرأة عراقية إلا إذا أمسكتَ بأيقونة مصوَّرة في لوحة أو كتاب أو صورة. إنّ ارتسامها الساكن على لوحات آل سليم (جواد ونزيهة وسعاد) يشبّح ظهورها اليومي على سطح الواقع المتحرك، وتجسُّدها في منحوتات خالد الرحال يجرّد ما عداها من أجساد محجوبة بالعباءات، وحوارات (أم شاكر) في مسرحية يوسف العاني يطغى على حوارات الأقبية والسجون لنساء العراق المناضلات.
وما زالت المرأة التي تتوسط الأشكال البارزة في (نصب الحرية) تنشر عباءتها على المجرى البشري تحت قدميها في ساحة التحرير ببغداد. تأبى المرأة العراقية أن تسلّم كينونتها الخصيبة إلا في إطار مشبوح، أنموذج بعيد المنال، كنية أمومية ملفوفة بالسواد.
عرضتْ إحدى الفضائيات الخليجية مؤخراً شريطاً إخبارياً يصوّر نساءً عراقيات تفتشن مع فتياتهن في (مقلب) كبير للقمامة عما تسكبه بيوت بغداد من نفايات مخلوطة بدموع الأوقات الحزينة والمسرات النادرة. فضحت الفضائية بؤسَ النساء الهاربات من مراقبة العين الفضولية حين فاجأتهن الكاميرا في وسط عري المزبلة، وجوع الكائن الفقير إلى قطعة شيء ثمين يؤكل أو يباع.
لكن ما من شريط صوري يعرض المهانة الإنسانية لكائنات تحاربن في غير ميدانهن الحقيقي، إلا وأعاد للأذهان الصورة المجازية الأصلية لامرأة (المجرشة)، المحاربة الطبقية في قصيدة الشاعر الشعبي عبود الكرخي.
لديّ صورتان تختصران تاريخ العلامة السوداء وتنتهكان قسمات الوجه السافر لربة الجمال الرافديني. كانت الصورة الأولى جوهرة استوديوهات التصوير في بداية القرن العشرين، تعرضها في واجهاتها مثالاً على المرأة الجنوبية التي تحمل على كتفها إناء الماء النحاسي المخروطي الشكل المعروف باسم (المصخنة)، وتغطي نصف وجهها بطرف عباءتها.
أما الصورة الثانية التي تنشرها صحفنا اليوم فهي لامرأة ينوء كاهلها بحمل قنينة غاز الطبخ، وتحار يدها بستر وجهها. تختال الحاملة الأولى رغبةً في الغنج والإسفار، وتتطلع الحاملة الثانية بعين الدهشة والاستتار. تعرض الصورتان وجهين مختلسين في لقطتين دالتين على مرحلتين من مراحل الجمال الموناليزي الفقير، مرحلة العرض الاختلاسي المرغوب، ومرحلة العرض العمومي المقهور.
قادت هاتان النظرتان نظرتي إلى تقصي شخصيات قصصي النسائية، فقابلتُ نظرةً مختلسة بنظرة متلصصة، ومسحتُ الوجوه التي تحيطني بحنوها مسحاً حذراً كافياً لكشف أهوائها وسبر رغباتها. كنت محاطاً بالأمهات والجدات والزائرات الطارئات، فلما أردتُ إدخالهن قصصي تمنعن واحتمين بسوادهن.
حشدتهن أمام باب (المملكة السوداء) ودعوتهن للدخول إليها بسلام آمنات مطمئنات، فأبينَ الدخول إلا بصفتهن أيقونات مستترات ذوات نظرات مختلسات، تلتمع (شيلات) رؤوسهن بالدبابيس الذهبية. لن تدخل امرأة بيت القصة حتى تتحول إلى نسخة ورقية منيعة على التطويع والافتضاض. فإنْ استسلمتْ واحدة لرغباتي وأهوائي فلأنها صورة وشبح، ولا تسلّم امرأة عراقية غير صورة من حقيقتها المشبّحة بالسواد.
في ما مضى من سنواتي التهويمية كنت أتصل بنساء قصصي في الأحلام. نساء المطابخ والمواقد والمزارات والبيوت والحمامات، الطاعمات الكاسيات، الناذرات والمنذورات، الحاملات الواضعات المرضعات، الباحثات الهائمات، المودَعات منزلاً كبيراً بعشرات الغرف رُصفتْ أرضه وجدرانه وطاقاته بالآجر الأصفر المنجور، زوجات سجناء وسوّاق قطارات وسعاة بريد وحراس وجنود وشرطة ومهربين. يتألف منزل الأحلام هذا من طبقتين، طبقة الوعي العليا التي تحوي عشرات الغرف المقفلة على النساء وأطفالهن، وطبقة اللاوعي السفلى التي تضم ملفات حياتهن وصناديق رسائلهن ومطابخ نذورهن.
يتسع (منزل النساء) يوماً بعد يوم لحالمات وافدات من مخاضات الحرب الأهلية ومقالب الأزبال، وكيفما ظهر المنزل في رؤياي، سجناً أو حماماً أو مسلخاً أو ماخوراً، رواقاً لمحكمة الأحوال الشخصية أو قبة للبرلمان أو قاعة لمنظمة نسوية، فإن موقعي فيه ثابت معلّق في منتصف السلالم الجانبية الحلزونية التي لا تنتهي درجاتها، بين طبقات المنزل العليا والسفلى.
يحتوي (كاتلوغ) المنزل المفهرس في مئات الصفحات على نماذج من (الغانيات الحزينات) و(أم) غوركي ومراهقات فرانسوا ساغان وجدّات إيزابيل الليندي وشيخات الحواري القادمات من (ثلاثية) نجيب محفوظ ومناضلات الحركات النسوية، لكن بواب المنزل العجوز سمح لبضع نساء بالبقاء في غرفه وأقصى الأخريات. ولا تسكن منزلي اليوم سوى بضعة نماذج لم يصبها العتق والنسيان: الرأس العاجي لموناليزا نمرود، وامرأة الحضر المقطوعة الرأس، وعذراء خالد الرحال النحاسية ذات الجدائل، والملكة عالية على سرير المرض
كما تبدو في وصف طبيب العائلة المالكة سندرسن باشا، والنادبة ابنها القتيل في مشرحة الطب العدلي لحظة ارتمائها أمام الكاميرا على جثته، ونازك الملائكة الراقدة في قرارة الموجة، وناهدة الرماح تعيد تمثيل أحد أدوارها المسرحية بعد انطفاء عينيها، وزهاء حديد تتطلع بعينيها الواسعتين إلى جسر صممته على نهر دجلة...