شخصيتان رئيستان: رجل هو أبو متراس، وامرأة هي شامة، وعدد من الشخصيات الثانوية، هي مكونات رواية علي أبو الريش الجديدة ( ثلاثية الحب والماء والتراب) الصادرة حديثاً ضمن منشورات اتحاد كتاب وأدباء الإمارات ووزارة الثقافة، وقد وقعت الرواية في سبعمئة وأربعين صفحة من القطع الكبير وتسعة عشر فصلاً.
والرواية ترصد تحولات هاتين الشخصيتين في إطار العلاقة الثنائية ذكورة/أنوثة، وكذلك ضمن حياة المجتمع الذي تتحركان فيه، سواء كان بحرياً أم صحراوياً/ بدوياً أم قروياً ريفياً. فالكاتب يرصد ظروف وعادات وطبيعة هذه المجتمعات المتداخلة.. ذلك كله في أساليب سرد متنوعة تتداخل فيه الذكريات مع التأملات، ويمتزج الواقعي بالحلمي، والحقيقي بالوهمي، وكذلك انتقال السرد من البطل إلى الراوي المستقل، ومن الحوار الداخلي إلى الخارجي.. الخ.
في البداية، نرى أن كلاً من الشخصيتين تعاني الوحدة والذل والمهانة، شامة في بيت والدها الذي يعيش مع مفاتيحه كمجنون لكنه يفرض هيمنته على زوجته الخانعة وابنته التي بلغت الثلاثين وهي ترفض الزواج وتكره الرجال بل تكره والدها وتكره النساء الخانعات، فتقرر التمرد عبر الخروج من بيت أبيها وعدم العودة، إليه، فتتشرد في الطبيعة. أبو متراس كهل توفيت زوجته ويعيش في وسط يرفضه، فيقرر الخروج على الحي ومعاقبته على هذه المعاملة، ويبدأ تشرده ما بين القرية والصحراء والجبل.
في الطبيعة يكون لقاء شامة أولا مع الصياد الذي يحتضنها في البحر، ثم مع صخرة تستقطر منها «شامة» الحب والشهوة، معبرة عن عدم ضرورة الرجل/الذكر، فالطبيعة بترابها وأشجارها وصخورها تستطيع منحها حاجتها وتلبية لذتها وشهوتها. وتستعمل هنا لغة تغوص في أعماق العلاقة بين الرجل والمرأة، بل بين عناصر الطبية نفسها «البحر يمد لسان التألق والأرض تبدو أنثى تواقة للتواصل..» حينا.
واللغة الواقعية المباشرة حينا آخر «ما أطهر النساء وأنجس الرجال.. النساء حالمات بالأجنة والجنات، الرجال لا تخطف أبصارهم غير اللحظات المتوحشة..»، و«لا حاجة لي بذكورة هي أشبه بالمقصلة» وهي تخاطب الصخرة «هذا التوغل منك أشهى من ألف رجل» أو «المرأة تصون والرجل يخون».
وهي تبلغ حد القول «لا أبحث عن رجل بل عن جريمة يكون هدفها رجلا». وهكذا حين ترى نقطة دم تسقط من أسفلها تفاجأ ولا تعرف مصدرها، هل هو الصياد؟ لكنها ترجح التحامها بالصخرة. ثم تجد نفسها حاملا، وتلد «الوعل» الذي «تريده أن لا يكون كأسلافه» لجهة هيمنة الذكورة على سلوكه.
وعلى خط مواز لا يلتقي مع هذا الخط، نتابع تحولات شخصية أبي متراس في كوخه، يحاول التخلص من عجزه بما يذكرنا برواية ألبيرتو مورافيا «أنا وهو»، فيبدأ مساعدة النساء في جمع الحطب وملء الجرار من العين، فيكتسب سمعة تبدأ تتطور إلى درجة اعتباره وليا ويعالج المرضى، وتكون علاقته مع «عشبة» العاقر فاتحة لعلاقات تجعله يعتقد ويصدق أنه ولي أرسله الله لإصلاح الكون.. فهو «حرثها» ومنحها طفلا، ومنح الطفل اسم «مطر» بحضور والده. وهكذا فقد استعاد قدراته الذكورية في وقت يعتقد الناس فيه أنه الولي الذي يحتاجون إليه ويلتفون حوله.
وفيما يستمر شبق أبي متراس وتتزايد حاجته للمرأة من أجل مزيد من توكيد الذكورة، تستمر أسئلته وتأملاته وتبلغ حدود التصوف أحيانا، خصوصا عندما يلتقي بالحمار «أبي صابر» ويتخذه رفيقا يحاوره ويستعين به، كما لو أراد أن يقول إنه المسيح أو ابن عربي، فمعروف أن ابن عربي كانت له تجربة مع الحمر الوحشية، حيث كان يرى في العلاقة معها «سريان روح الأمان من نفس الإنسان إلى نفس الحيوان» كما يقول نصر حامد أبو زيد في كتابه «هكذا تكلم ابن عربي».
وفي محيط روائي ولغوي هادر بالقصص والحكايات، أحاول التوقف مع أبرز محطات وأسئلة هذه «الملحمة الروائية» أو «الرواية الملحمية» التي لا يمكن اختزالها في سطور، فهي ملحمة تجمع حكايات البحر والصحراء والقرى، خصوصا أننا أمام عمل يغلب فيه الأسطوري على الواقعي، وتحديدا في ما يتعلق بمعتقدات وسلوكيات كل من الشخصيتين الرئيستين وبمصيرهما أيضا.
وإذا ما بدت شخصية أبي متراس أقرب إلى الواقع في السلوك، وأبعد قليلاً عن الواقع من حيث تطلعاته ذات الطابع السحري، فإن سلوك «شامة» يبدو شاذاً وغريباً منذ بداية تشردها، واستدراج صبي صغير للتنفيس معه عن مكبوتاتها، ثم تواصلها الجنسي مع صخرة، وعودتها إلى الصخرة في نهايات الرواية.
العلاقة مع المكان مسألة في الرواية تستوقف قارئها، فهي علاقة حميمة مع الطبيعة حينا حيث «تفترش شامة الأرض. تتوغل الرطوبة إلى نسيجها، تشعر بالانتماء إلى المكان. تشعر الآن أنها صارت لها خصوصيتها.. حين تتعرى تباركها الأرض والصخور وتسبح حمدا لهذا الجسد المرتعش».
بل إن علاقة «شامة» بالرمل هي التي توحي لها بفكرة أن تلد من الطبيعة «داهمها شعور أن الرمل بإمكانه أن يصيغ عجينة ثالثة غير الرجل والمرأة». ومن خلال إيمانها هذا حققت ما تسميه «رغبة أصيلة كمنت في داخلها.. رغبة الخلاص من عقدة أنه لا بد لكل امرأة من رجل يحتويها ويضمها إلى قافلة جواريه وعشيقاته».
وبالنسبة إلى أبي متراس فـ «تغيير المكان حتى وإن كان من غرفة إلى غرفة أخرى (في البيت نفسه) ينتزع شيئا من الداخل اسمه الاستلاب».وعن الصحراء فهو يصف من قمة كثيب الرمل الأحمر الأشبه بكتلة الجحيم ويتساءل «لماذا لم يفكر الناس طوال هذا الزمن في التخلص من وهدة الحياة في الصحراء؟
فهذ وإن كانت رائعة في اتساعها إلا أنها لا تتخلى عن غطرستها حين يأتي الصيف». ومع حضور كثيف للطبيعة وعناصرها عموماً في الرواية، فإن حضور شجر «الغاف» يكاد يمثل ما يشبه اللازمة أو التميمة التي تحمي الإنسان وتعطيه كما لو كانت أمه، فهي شجرة تجد حضوراً مميزاً في الأدب الإماراتي خصوصاً والخليجي عموماً، نقرأ عنها «الغاف لا يتحرك حتى لو هبت الريح العاتية فإنه يغرس سيقانه بصمود وجسارة ليبقى حارساً على الأشجار الأخرى التي تهوي صريعة جراء العصف السماوي. الغاف لا يغيره التاريخ ولا يلوثه طقس، بل هو شاهد كل مجريات الكون المتغيرة والمتحولة».
مسألة الصراع بين ذكورة وأنوثة، أو رجل/امرأة، وهو صراع يتجسد في الأفكار والممارسات أكثر مما يتمثل في العلاقة بين «شامة» وأبي متراس. فهما لا يتقابلان في الرواية سوى مرة واحدة حين تحضر شامة طعاماً للرجل الوحيد فتلمس يده إبهامها ولا يعود يراها، لكن كلا منهما حاضر بالنسبة إلى الآخر من خلال التذكر والتداعيات.
وكذلك من خلال رفض شامة للرجل عموماً، وهي في ذلك تمثل موقفاً نسوياً متشدداً، إلا أنها بقدر ما تطرح أسئلة اضطهاد المرأة، فهي أيضاً تطرح أسئلة وجودية حول الحياة والموت، وهو ما يفعله أبو متراس كذلك. وخصوصاً بعد أن يجد كل منهما نفسه وقد حقق الكثير ولا يعرف إلى أين يمكن أن ينتهي.
عمر شبانة
