مشاهد القتل اليومية بين العرب أصبحت تتكرر في سيناريو معتم ينتشر تدريجيا من العراق إلى فلسطين ولبنان. أخوة وأحبة وأهال يجمعهم التاريخ واللغة والدين والدم والمصاهرة، لكنهم بشكل ما، وفي لحظة مجنونة، يتحولون إلى وحوش تتغذى على الانتقام والكراهية والحقد في مشهد يغيب عنه العقل وتصبح السكين فيه رمزا وأداة للمصافحة.
أكثر من ألف وأربعمئة سنة من التراكم الحضاري والثقافي والازدهار المعرفي والفكري للأمة العربية والإسلامية أصبحت غير كافية لتحكيم العقل في أمور مصيرية. ولا أحد يعرف كيف تتحول القلوب المحبة للخير والسلام واحترام عقائد الآخرين إلى قلوب مشحونة بالبغضاء واحتقار الحياة، وكيف تذهب الجماعات أفواجاً إلى الانتحار من أجل فكرة ما بدلا من المجادلة والحوار الهادئ الذي تحدثت عنه كل كتب المنطق والفهم عبر التاريخ؟
هل نحن هنا أمام قصور حقيقي في ثقافتنا وفي تربيتنا إلى درجة عدم المقدرة على التروي واللجوء إلى الحكمة؟. أم ان ما يحدث هو نتيجة طبيعية لظروف سياسية غير مألوفة تستدعي ان نتقاتل من اجل الاقتتال فقط ؟. لان لا احد يبدو رابحا في هذا الصراع الذاتي الداخلي. ولا احد يفكر بالعواقب، ولا احد يملك ان يوقف هذا النزيف المجاني للدم الغالي..لماذا. ولماذا في هذا الوقت بالذات؟.
قامت الحضارة العربية والإسلامية ونمت وأزهرت تحت مظلة (التسامح). وخلال قرون مديدة حاول الفلاسفة والمفكرون العرب استبدال العقل مكان السيف في تبليغ الرسالة الحضارية لهذه الأمة، ونجحوا وكبروا وتوسعوا في بلاد الله شرقا وغربا. ولنا في كتب الحكمة العربية من الأمثال والنوادر والحكم ما يكفي لإصلاح العالم كله. ومع ذلك لا أحد يلتفت الآن إلى هذه الجذور الناصعة.
وهذه الثقافة التي زرعها الأقدمون لكي نجني ثمرها محبة وسلاما، أصبحت وقودا لتغذية الأحقاد الدفينة والنفوس المريضة التي تريد أن تمارس فعل الإلغاء كي تحصن نفسها في العتمة الأبدية. إلغاء العقل والآخر المختلف ونفيه وقتله حتى لو كان هذا الآخر أخوك أو ابن عمك.
نحن بحاجة اليوم إلى إعادة اكتشاف الإشراقات الجميلة في كتب التاريخ العربي وإعادتها إلى النور، تلك الإشراقات التي تمجد الفضيلة والحلم والحب والتسامح والقبول بالتعايش المثمر والبناء مع الغريب وجعله صديقا وأخاً. وبحاجة أيضاً إلى زرع الجمال في النفوس والعقول التي لوثتها رياح الجهل بالماضي إلى درجة انها أصبحت تفضل الموت بدلا من قبول التجديد.
كيف تربى بيننا عاشق الظلام
الذي رمى الوردة في الوحل وحمل السكين
عاشق الظلام الذي بلا حبيبة وبلا قلب
يطعن المعاني البيضاء
يخنق الفكرة الجديدة بحبل الكراهية
ويخاف من شمس السلام.