في معرضهم الذي أقيم مؤخرا في غاليري مصطفى علي بدمشق يحاول كل من أيهم ديب ومحمد حاج قاب وعرفان خليفة تقديم مفهوم مختلف عن الفن يعتمد «الكيتش» بوصفه فنا تجميليا للواقع، وإن كان يحمل في داخله فنا تصنيعيا يبتعد عن هذا الواقع بل ويسخر منه في بعض الأحيان.
والـ «كيتش» التي ظهر في ألمانيا قبل حوالي قرن ونصف ليشكل «فنا للسعادة» يتنكر للموت والشقاء بحسب «أبراهام مولس»، نجده في نسخته السورية الشابة ينصرف عن مهمة تجميل الواقع ليتنكر لهذا الأخير بما يحمله من إحباطات متكررة ويسخر منه باعتباره فنا أبديا لا يفنى.
هذا الأمر نجده عند عرفان خليفة الذي يغلف الجسد البشري بأزهار بلاستيكية للتعبير عن تراجع استخدام الورود الطبيعية في حياتنا اليومية لتحل محلها ورود بلاستيكية لا تموت ليغدو عالمنا ـ بحسب خليفة ـ أشبه بعالم صنعي أبعد ما يكون عن الطبيعة.
غير أن خليفة يمضي بعيدا في تحليله ليؤكد أن الجسد البشري سيفقد الحس الإنساني ليتحول إلى آخر صناعي، من خلال فيلمه الذي يفقد فيه البطل «الملبّس» بالبلاستيك خصائصه الإنسانية والجمالية ليعاني انخلاعا مأساويا يقوده إلى الانتحار في نهاية المطاف.
الأمر يبدو مختلفا عند محمد حاج قاب الذي يعتقد أننا رغم محاولاتنا الحثيثة لتقليد الطبيعة إلا أننا لن نصبح بمستواها، إذ نجده يزاوج في لوحاته بين الطبيعة والبلاستيك معتمدا على إظهار جمالية وواقعية الطبيعة وقبح ولا واقعية البلاستيك، ليثبت للمشاهد أن الطبيعة هي المكان الأساسي لارتباطنا بالواقع.
فيما يقدم أيهم ديب مفهوما جديدا عن «الكيتش» يختلف عن سابقيه، إنه «الكيتشو غراف» أو أكاذيب «الكيتش» الترويجية، ويعتمد على تقديم صور فوتوغرافية يعزز خاصية الكيتش فيها كونها مزورة القِدم، زادت من عمرها صنعيا المعالجة التصويرية التي أُخضعت لها تماما كالأجهزة الإلكترونية المقلِدة التي يشتريها الشخص لاقتناعه بكونها أصلية، لكن حلمه الوردي لا يلبث أن يتبدد حين يكتشف الحقيقة.
إن «كيتشوغراف» أيهم ديب تتلاعب تلاعبا فكاهيا بغير اللازم وعديم النفع، ورسالته هي إظهار صور، مقدمة على شكل إعلان، تجسد وهم السعادة والطمأنينة التي لا أمل في تحقيقها. لكن ديب يرى أن تسليع الفن سيعمل على إعادة إنتاج قراءة نقدية لماهيته وكينونته كما أن تحويل الفنان إلى مجرد «مكنة إنتاجية» سيسقط عنه أي قيم ميتافيزيقية أو أخلاقية لدرجة أننا قد نعتقد في أحد الأيام أن الطغاة عبر التاريخ هم فنانون ولدوا قبل عصرهم.
دمشق ـ حسن سلمان
