في مجموعة قصص الكاتب والصحافي السعودي عبد الواحد الأنصاري أجواء تأخذ القارئ إلى ما يشبه مراوحة بين الواقعي والغرائبي والخرافي في حركية كأنها دائمة وفي أجواء تبدو كالحلم. وللأنصاري قدرة مميزة على جعل الحاضر كأنه موغل في القدم وجعل ما نتصوره قديماً يطل بوجوه حاضرنا وله قدرة مماثلة على المزج «الفني» بأن يجعل أجواء الخرافي والغرائبي «تهبط» على الواقع فتضفي عليه بعض ملامح الغرائبي والخرافي حينا آخر وعلى الارتفاع بالواقعي إلى أجواء هذين. وفي قصص الأنصاري القصيرة نشعر أحياناً كثيرة بحالات «تواطؤ» يتبادل فيها الواقعي والخرافي الملامح خلسة فيبدو الواحد كأنه الآخر وتجتمع أحياناً ملامح الثلاثة في واحد.
لغة الأنصاري في قصصه شعرية تصويرية على عراقة عربية. اشتملت مجموعة الأنصاري على 17 قصة قصيرة جاءت في 125 صفحة متوسطة القطع. وصدرت عن «دار وجوه للنشر والتوزيع» في مدينة الرياض في المملكة العربية السعودية.
القصة الأولى التي حملت عنواناً هو «معتوقة» اختلفت عن الأخريات في أسلوبها الذي جمع سمات تبدو حوارية مسرحية وأخرى سردية تضع «الراوي» من جهة وشخصية أخرى هي «شوعي» من ناحية ثانية إلا أن الشكل الحواري الفعلي ينتهي هنا. فالاثنان يرويان أموراً تبدو متباعدة لكننا لا نلبث أن نجد فيها تكاملاً.
وفي قصة «فوز» مثلاً نقرأ عن النوازع والأحلام والطموحات البشرية في ما يشكل نسيجاً من الواقعي والخرافي و«الفلسفي» الأخلاقي. كأن الأنصاري يقول لقارئه «قل لي بماذا تحلم أقل لك من ستكون».
من النماذج التي تعكس قدرة سردية تصويرية بنبض موسيقي هادئ وترسم شبه كابوس يمكن أن يتحول إليه عالمنا بخيوط من الواقعي والغرائبي قصة «بحر». إنها قصة مدينة ساحلية افتراضية بحر ورمال ونخيل وصديق ولا صخر لا حجارة ولا حصباء، والماء ماء بحرها المالح يعدني بهناء الشفاء من آلام قدمي المتورمتين.
لكن هذا البحر الذي كان يفترض أن يكون متنفساً وخلاصاً تحول إلى غير ذلك. قال له صديقه إن ألم رجليه سيختفي لكن لعنة «دوار الريح» الذي أقامه السكان أصابت رأسك.
لقد غضبت الريح وغيرت اتجاهها ونتج عن ذلك غضب البحر الذي غير عادته وأرسل إليهم إشارة تحذير لا يمكن التنبؤ بما سيأتي بعدها لم يعد يبتلع ما نرميه في جوفه.
وفي صورة سريالية حمل صديقه حجراً بيضاوياً كان قد أهداه إليه وطوح به وقذفه صوب البحر فصرخت معترضاً، لا، لا ولكن صرختي جمدت في حلقي عندما رأيت الحجر يطفو على وجه الماء البارد متمايلاً على صفحته التي تجر أذيالها منسحبة بثقل ومتانة نحو الجنوب.