ارتياد الآفاق، سلسلة إصدارات اختصت بأدب الرحلات، تصدرها دار السويدي للنشر والتوزيع أو صدرت بالاشتراك مع المؤسسة العربية للدراسات والنشر أو المجمع الثقافي في أبوظبي أو دار ورد للطباعة والنشر والتوزيع، ويشرف عليها الشاعر نوري الجراح مع هيئة تحرير تضم الشاعر علي كنعان والكاتبين محسن خالد وأيمن حجازي.
والسلسلة، كما يقول محمد أحمد خليفة السويدي في الاستهلال الذي قدم به حلقاتها: تهدف إلى بعث واحد من أعرق ألوان الكتابة في ثقافتنا العربية، من خلال تقديم كلاسيكيات أدب الرحلة، إلى جانب الكشف عن نصوص مجهولة لكتاب رحالة عرب ومسلمين جابوا العالم ودونوا يومياتهم وانطباعاتهم.
ويقول السويدي عنها: إن هذه السلسلة قد تبلغ المئة كتاب، من شأنها أن تؤسس، وللمرة الأولى، لمكتبة عربية مستقلة مؤسسة من نصوص ثرية تكشف عن همة العربي في ارتياد الآفاق واستعداده للمغامرة من باب نيل المعرفة مقرونة بالمتعة.
ولم أكن، ولظروف شخصية، قد اطلعت على هذه السلسلة حتى ربيع 2007، ولم أقرأ منها سوى كتاب واحد هو (خطرة الطيف.. رحلات في المغرب والأندلس) للسان الدين بن الخطيب، وكانت إعادة قراءة، إذ سبق لي أن قرأته في طبعته الصادرة عن جامعة الاسكندرية. ويجمعني بابن الخطيب الهوى الأندلسي والعشق المغربي، والشوق إلى الأوطان والبعد عن المسكن الأول وكثرة الالتفات وهو القائل:
قال صحبي وقد أطلت التفاتي
أي شيء تركت، قلت فؤادي
في شهر أبريل من العام 2007، كنت في زيارة خاصة إلى عجمان في الإمارات العربية المتحدة، ولم يكن معي ما أقرأه، فوجدت لدى الصديق إبراهيم سعيد الظاهري مجموعة كتب من سلسلة (ارتياد الآفاق) استعرتها منه، وقرأت منها، (رحله إلى أعالي النيل الأبيض 1839 ـ 1840 ) للبكباشي سليم قبطان و(رحلة عبر بلاد فارس 1903) لاليوت كراوشاي وليامز، ترجمة د. فايد رشيد رباح ورحلة في بلاد الزنوج.. ثمانية أشهر في إفريقيا الغربية 1929 ) للصحفي اللبناني عبدالله حشيمة.
ولكل رحلة من هذه الرحلات، أسلوبها وجغرافيتها وظروف كتابتها، وخصوصيتها المؤسسة ليس على المكان والزمان حسب، بل على شخصية كاتبها، وهذا ما يمنح أدب الرحلات أهمية، وهو ما يمنح مشروع ارتياد الآفاق أهمية أيضاً.
وإذا كان أدب الرحلات العربي، في نماذجه الأكثر شهرة، قد ارتبط بالبحث العلمي وحب المعرفة، كما كان الحال مع ابن جبير وأبن بطوطة والمؤرخين الكبيرين اليعقوبي والمسعودي، أو تكون الرحلة العلمية مقترنة بدور ما لأولي الأمر، حيث اقترنت المعرفة بالطموح السياسي، كما كانت رحلات الشريف الإدريسي وابن فضلان وابن ماجد، فإن رحلات أخرى كانت ذات طابع دبلوماسي، حيث يكون الرحالة مبعوثاً رسمياً، كابي دلف وأبي مسعر.
ومن الرحلات التي مازالت موضع تأمل ومراجعة، ومازالت معلوماتها تعتمد بهذا القدر أو ذاك، مثل رحلة ابن فضلان، التي يعتمدها البلغار والاسكندنافيون في بعض صفحات تاريخهم القديم.
لقد استمعت في أواسط ثمانينات القرن الماضي، إلى حديث قيم وطريف، عن ابن فضلان ورحلته من دبلوماسية سويدية، كانت قد دعتني إلى غداء في ستوكهولم، وكنت هناك بدعوة من الأكاديمية السويدية، وأذكر أنها قالت: (لولا ابن فضلان، لما عرفنا أن السيدات أولاً) ليس تكريما لنا نحن النساء، وأن أساس هذا التقديم، كان الشك بنا؟
ومما أخذ على الرحالة القدامى، انهم لم يعتمدوا في ما كتبوا على ملاحظاتهم فقط، بل نقلوا عمن سبقهم من الرحالة والمؤرخين والجغرافيين، ومثل هذا المأخذ يتكرر في كتابات بعض المتأخرين، وعلى سبيل المثال، فهو شديد الوضوح في رحلة عبدالله حشيمة إلى إفريقيا الغربية.
وإذا كان أدب الرحلات القديم، يتداخل أحياناً مع السيرة الذاتية أو المذكرات، كما هو الأمر في السيرة الذاتية لابن خلدون، فإن مثل هذا التداخل بات أكثر وضوحاً في كتابات المعاصرين، ويدخل على خط التداخل هذا جنس آخر من أجناس الكتابة هو أدب المكان، وهذا يظهر مثلاً، في مذكرات سالمة بنت سعيد (مذكرات أميرة عربية) فما كتبته يجمع خصائص أدب الرحلة والمذكرات والمكان.
وعن هذا يقول الدكتور محسن الموسوي: ليس بالإمكان، فصل الكتابة عن الرحلة ـ أية رحلة ـ عن السيرة الذاتية أو المكان، وإذا كان البعض يتحدث عن هذا التداخل، عند ابن خلدون، فالواقع ان كثيرين عرفوا مثل هذا التداخل في نصوصهم، واذكر على سبيل المثال القزويني صاحب كتاب عجائب المخلوقات وسواه.