كتبت عن دورة مهرجان المربد السابقة، واضطرار الفرقة الموسيقية تهريب آلاتهم ليلاً ليفاجأ جمهور المربد بافتتاح المهرجان بالموسيقى، واعتراض مسؤولي السلطة الطائفية على الموسيقى، وخروجهم من المهرجان، وفي هذه الدورة التي نظمت قبل حوالي أسبوع غاب عنها الشعراء الضيوف الذين اعتادوا حضور المربد منذ سنوات وعرضت فرقة البصرة للفنون الشعبية بعد غياب طويل.
وقد تحجبت المؤديات، ولعلها المرة الأولى في تاريخ العراق يتحجب الفن والشعر بناءً على تراجع الحريات وانغلاق الفكر حتى في مهرجان عُرف بشموليته، وبالشعر وبتاريخه الذي امتد مئات السنين، وبانفتاحه على كل الرياح في مدينة عرفت باستقبالها كل الأجناس والأعراق والمدنيات والحضارات، واحتلت موقعاً هاماً في تاريخنا الحضاري. وكانت ثغر العراق وبوابته على العالم المتحضر، وأغنية للشعراء.
والواقع أن ما نسجله هنا، ونعتز به هو صمود الأدباء والشعراء، والمفكرين العراقيين وإصرارهم على التنفس رغم كل السموم التي تنتشر في الفضاء اليومي، ونحييهم في مهرجانهم الحضاري الذي حافظوا على اسمه، وموقعه منذ مئات السنين، رغم كل المعوقات التي عاشها العراق. وهذا دليل حيوي على قدرة المبدع العراقي في مواجهة كل التحديات التي يتعرض لها أو تعرض لها عبر تاريخه.
أما الإضاءة الثانية التي نعتز بها، ونحيي القائمين على تنظيم هذه الدورة من مهرجان المربد الشعري، هو تكريم الأديب محمود عبد الوهاب أحد رواد كُتاب القصة العربية، والمعلم الأول لأجيال عديدة تعلموا منه فنون السرد، وتثقفوا من ثقافته الموسوعية، ونهلوا من علمه، ولي الفخر ألا أكون أحد طلابه فحسب. بل ابنه بالتبني، فهو خالي، وأستاذي، ومعلمي. وشيخي، ورثني مهنة الأدب صغيراً، وتعلمت على يديه كيف احترم قلمي، والكتاب، وأن ترتبط رقبتي بالكلمة الحق، وبحرية القلم.
محمود عبد الوهاب أحد المبدعين العرب، وأحد مؤسسي فن القص في العراق، ومن رواد هذا الفن الأدبي، وهو إلى جانب زملائه وأدباء جيله يشكل قاعدة متينة لأدب ملتزم، وإذا ما ذكرنا عبد الملك نوري، وفؤاد التكرلي، وغائب طعمة فرمان، فإن محمود عبد الوهاب هو الحلقة المكملة لهذا الجيل المبدع.
وقد لا نبالغ إذ نقول انه يمتاز عنهم بموسوعية قلما تتوفر لدى أديب، ويتمتع بلغة جزلة جميلة، وثقافة تأسيسية شكلها عبر مسيرة جادة وطويلة لجيل مبدع. حتى أنه أحد القلائل الذين فازوا بجائزة القصة على مستوى الوطن العربي في أوائل الخمسينات، والتي كانت مجلة الآداب قد خصصتها حينذاك كأهم جائزة لفن القص.
وهو إلى جانب ذلك فهو قد درس الأدب المقارن، وأتقن الإنجليزية والفرنسية، وترجم عنهما، وإذا كان الجيل الجديد من الأدباء والكُتّاب لم يتعرفوا على النتاج الأدبي لمحمود عبد الوهاب فإن ذلك يعود إلى ما تعرض له العراق من حروب، وحصار، واحتلال، عزل العديد من الإبداعات العراقية وحصرها في داخل القطر العراقي، ولذا يصبح واجب هذه المهرجانات والملتقيات الأدبية والفكرية التعريف بالمبدع العراقي.
ويصبح من واجبنا أيضاً إعادة هذا الجيل المؤسس إلى دائرة الضوء، أمثال محمود البريكان، وحسين مردان، وزكي الجابر، وغائب طعمة فرمان، ورزوق فرج رزوق، وعبد الملك نوري، ومحمود عبد الوهاب الذي يحتفل المربد به في هذه الدورة إلى جانب العشرات من المبدعين الذين قد لا يتسع المكان لذكرهم، أو لأن الذاكرة قد خانتني.
تحية لأدباء العراق، واعتزازاً كبيراً بالزملاء الذين ما غادروا خنادقهم في متراس الثقافة في خط الدفاع الأول عن الفكر والحرية والإبداع.
واسمحوا لي أن أنحني باحترام لشيخي محمود عبد الوهاب في يوم تكريمه، وإن لبس المربد الحجاب إجباراً.
