زاوية جديدة تقترحها صفحتنا الثقافية بقراءة الأثر الفني كونه أثراً سردياً بالنتيجة، بمعاينة الأعمال التشكيلية المحلية والعربية والعالمية حيثما كان ذلك متاحاً للقراءة. فتداخل الفنون الجمالية بات أمراً مؤكداً وهو ما تراه السرديات قابلاً للتوافق والتواشج مهما ابتعد ذلك الفن عن الحاضنة السردية والتجأ إلى الألوان أو المرئيات أو التعتيم الجمالي بقصد أو دونه، فالنتيجة الحتمية هي ما يراه المنظرون الجماليون وما أثبتته الوقائع الجمالية أن تعالق الفنون ببعضها قلّص الكثير من سوء الفهم بين الفنون والآداب لا بوصفهما متنافرين في طبيعة الأداء الجمالي، إنما بحصرهما في حاضنتين مختلفتين في الأداء كما كان الكثيرون يرون ذلك.

لكن الأجيال الأدبية والفنية التي تعاقبت على وعي الحداثة والتحديث والاجتهاد الإبداعي خلقت تضامناً أكيداً بين الفنون والآداب وأسهمت في تيسير القراءات الجمالية بوصفها تنتمي إلى حاضنة واحدة هي بالضرورة حاضنة ثقافية متسعة، تستقطب كل المنابع الثرة في الفنون والآداب وتوجهها إلى خلق صيغة مثالية في النمو الإبداعي الذي يسعى إليه المبدعون في التشكيل والرواية والسينما والمسرح والشعر والقصة وكلُّ خلْقٍ يساعد على تثوير المخيلة للإنتاج والتجدد.

قراءة اللوحة التشكيلية سردياً ليس جديداً، فالنقد الفني أخذ على عاتقه هذا النوع الأدبي في فحص مكونات منتوج الرسم والوقوف على جماليات اللون والفكرة والطريقة التنفيذية لها، بما يساعد على تقليص المسافة بين الفن والتلقي العام.

لكننا نقترح قراءة جمالية لا تنتمي إلى الأثر الفني مباشرة بوصفه منتوجاً لونياً، بقدر ما تنتمي إلى تأويل الأثر الفني والانطلاق في رحابه الفسيحة، خيالاً وتأملاً، وإعادة إنتاجه في بنية سردية تقوم فيها الكلمات مقام الفرشاة وتتراصف فيها الحروف كالألوان مع الأخذ بتاريخية اللوحة وجهود الفنان في الوصول إلى تلك التاريخية، سواء التاريخية الشخصية أم التاريخية العامة التي تشكل الظاهرة الفنية التي يعمل الفنان تحت خيمتها العريضة.

ومن هذا الفهم المباشر لهذا المقترح الفني نسعى، ونأمل أن يسعى معنا الآخرون من الأدباء والكتّاب والفنانين، لاستحضار الكثير من اللوحات المحلية والعربية والعالمية ووضعها تحت مجهر قرائي جديد ينفتح على المعاني الجديدة والتأويلات والعلوم والمعارف والآداب والفنون وكل التجليات الإبداعية لتوصيف الآثار الفنية ذات القيمة الجمالية المتميزة بإنشائها وتكوينها بلغة سرد تستثمر معطيات التشكيل الخلاقة وتحلّق في آفاقه الرحيبة دون الرجوع إلى النص التشكيلي كأثر مُنتَج؛ إنما الانطلاق من تجلياته الإبداعية الأثيرة.

لوحة «السوق» للفنان الإيراني «رحيم نوسي» هي مثالنا في توظيف المعطى الفني إلى معطى سردي يحاول تقمص اللون وبعثرة التفاصيل الواقعية باتجاه «رسم» أدبي كنص تجتمع فيه صياغة اللوحة دون إقصاء المنتوج الفني الأساسي.

يترك نوسي مساحات وافرة للتأمل في لوحته السوق الشعبي ذات المفردات المتعددة والمنفذة ببراعة وتكنيك قوي، مستفيداً من توزيع الظل والضوء والاستعانة بألوان داكنة لتقريب صورة السوق في حركيته الدائبة، وهذه اللوحة تتجلى فيها قدرة الفنان نوسي على الإمساك بموضوعته الواقعية، ولكن بتصوير بارع يتفوق على التصوير الفوتوغرافي! فهي لوحة حية، ذكية، متحركة، فيها حياة شعبية يومية.

وقد استعان الفنان بالألوان الذهبية والنحاسية وعلى قماشة سميكة لإبراز جماليات المكان وإتقانه أمام الرائي، مستعيناً بتقنيات أسلوبية متماسكة قوامها التركيز الشديد على المشهد وإبراز تفصيلاته المرئية وغير المرئية وبألوان شبه داكنة، مما يجعل سطح اللوحة متحركاً، مطارق وضجيج وأصوات ضائعة في زحام الفوضى المنظمة التي يرسمها السوق كحاضنة يومية لبشر يتناوبون في الحضور والتأثير؛ عربات وعجائز؛ سجاجيد مزركشة وأقمشة ملونة وثياب قديمة وحيوانات لها فعل الالتصاق بالإنسان؛ طابوق متآكل وشقوق توثق صورة الزمن الطويل؛ شمس نافذة وظلال نحاسية انعكست من الأواني النحاسية فساهمت بخلق أجواء خاصة في إبراز مكان شعبي ذي فرادة محلية خاصة،

ولعل هذه الخاصية وفرت للمكان صلته بالحياة الاجتماعية المتكونة من تاريخ شخصي لمكان لا يريد أن يكون عاماً بقدر ما يكون مكاناً له استمرارية الديمومة في جو شعبي إيراني خالص ولا يبدو المشهد فوتوغرافياً فحسب، بل يمتلئ بالنبض الإنساني والحميمية التي يركز عليها نوسي وهو يرسم روح الإنسان في سعيه الحثيث لمواصلة الحياة فيتداخل مع الطبيعة إلى حد صارم ومخلص وفي جو شرقي حميمي.

السوق الشعبي وإن بدا سوقاً محلياً، إلا أنه صورة من صور الزمن الشعبي الذي لا يريد أن يغادر الذاكرة الإنسانية هنا وهناك، لذا كان الفنان نوسي بمنهجه الواقعي مصوراً بارعاً لتفصيلات شيقة أحكمت سردها الفني بطريقة النفاذ إلى جوهر الإنسان عبر مكان ما نزال نحمله في دواخلنا أينما حللنا، لأنه مكان التكوّن الأول وينبوع الأحلام السعيدة.

وارد بدر السالم