تدور مفاصل العرض المسرحي السوري «فوتوكوبي» حول يوميات موظفيّن يعملان على الآلة الطابعة في مكان ثابت لا يتغير هو غرفة في إحدى المديريات الحكومية، وفي زمن يتطاول ليشمل حوالي الثلاثين عاما من حياة هذين الموظفيّن.

وخلال هذا الدوران الحلزوني في إطار المكان الثابت والزمن المتغير، تتكشف السيّر الشخصية، تتأجج الصراعات وتنطفئ، تتهاوى الأحلام وتتحطم تحت أقدام الروتين والحاجات الناقصة، يتسرب العمر دون عواطف أو إنجازات تُذكر، يتغير العالم ليضع شخوص العمل خارج اهتماماته وتطلعاته، ويبدو جليا من التفاصيل الصغيرة والكبيرة والعوامل النفسية والخارجية التي تبثها الجزئيات الخاصة أن هذين الموظفين يعكسان حقيقة شريحة اجتماعية واسعة.

والعرض بين أيدينا هو الخامس للمخرج ماهر صليبي، وهو مأخوذ عن نص «الطابعان» لموري شيزجال، إعداد آنا عكاش بالتعاون مع المخرج، وقد جاء الإعداد المسرحي موفقا جدا من ناحية نقل بيئة النص الأصلية إلى البيئة السورية، إن كان عبر صياغة الحوارات باللهجة المحكية، أو كان بتعريب الأسماء وبانتقاء السلوكات والإشارات والمواقف التي تعكس حال المجتمع السوري حصرا.

وهذه البيئة المحلية تموّضعت في فضاء مسرحي غني بالدلالات صممه الفنان نعمان جود، فالمكان الثابت والديكورات التي لا تتغير المؤلفة من مكتبين متقابلين وثلاثة جدران تنفتح بأبواب على الكواليس، لكنها جدران متحركة، كانت تضيق وتقلّص من حجم المكان مع مرور الزمن، وفي ذلك إشارة مبتكرة إلى الروتين الوظيفي وضيق الحياة الذي تعزّز مع تسلسل العرض وحوارات الموظفيّن.

اعتمد المخرج بشكل أساسي على إحكام تركيب ملامح الشخصيات ونمّذجتها، ثم على براعة أداء الممثلين في إحيائها، واستغل وقفات الإظلام التي فصلت بين المشاهد لإحداث مؤثرات وشحنات انفعالية معينة، وابتدع حلولا إخراجية لربط العالم الصغير الذي صوّره العرض بالمحيط الخارجي.

فقد استخدم المذياع كإحدى الشخصيات الرمزية المنوط بها التعبير عن مرور الزمن وتحديد المراحل ونقل مجريات العالم الخارجي من أحداث محلية وعالمية، وذلك من خلال بث مقتطفات من نشرات الأخبار والأغاني بين الحين والآخر، كما تم استخدام الهاتف كوسيلة للكشف عن علاقة الموظفيّن بمحيطيهم العائلي، وعبر المذياع والهاتف تداخل الخاص بالعام وانفتحت العوالم الداخلية على الخارجية.

دمشق ـ تهامة الجندي