مازال انقطاع وغياب رعيل القصة الأول عن الحضور والظهور والتفاعل يثير الكثير من استفسارات الباحثين والنقاد والمتتبعين للتجربة القصصية في الإمارات، ومازال الحديث يتجه كذلك إلى الإشادة بدور المرأة الأديبة التي تمتلك قصب السبق في مجال القصة القصيرة وتغلبها على الرجل، ومازالت ملامح من القول تسيطر على القراءات النقدية بأن المرأة القاصة مازالت تحمل السيف على مظاهر مجتمعية تجدها أسوارا للقمع ولكبح الحرية ومبارزة الرجل الذي يشكل حسب سياقات السرد المحلي الأنثوي لسرد إشكالاتها الكبرى.

في الجلسة الصباحية التي عقدت أمس بقصر الثقافة في إطار فعاليات ملتقى الشارقة الثاني للقصة، قدم الباحث والناقد الأردني إبراهيم السعافين ورقة تضمنت دراسة حول ملامح ومسارات القصة النسوية في الخليج والإمارات مشيرا في بدايتها إلى قضية منهجية تكمن في تقسيم الأدب الى أدب يطغى عليه النموذج الرجالي بصورة عامة والى أدب نسائي له مميزاته الأسلوبية او الشكلية والمضمونية. ويقول السعافين لهذا نجد جدلا حادا بين أنصار من يرفضون تقسيم الأدب الى هذا المستوى الذي يتصل بالجنس، ومن يرون ان هناك مميزات متعددة على مستوى الشكل والمضمون يتمثل في اللغة والبناء والدلالة والفكرة والشعور ولعل الحجج التي يقدمها كلا الفريقين ليس من السهل دفعها، فقد نجد بعض الملامح الأسلوبية والمضمونية التي تميز بعض الأعمال السردية النسائية ومن الممكن أيضا أن يتماهى الراوي الضمني (الرجل) في الشخصية النسائية ويتقمصها حتى لا يدري القارئ ان الكاتب رجل يكتب عن امرأة.

ثم تناول السعافين في ورقته بعض التجارب النسوية في منطقة الخليج والإمارات باحثا عن الخصائص الفنية والمضمونية التي ميزت أدب القصة القصيرة النسائية.

على الجانب الآخر قدمت كل من القاصات أسماء الزرعوني وفاطمة محمد الهديدي والدكتورة أسماء الكتبي وعائشة عبدالله شهادات تضمنت اعترافات صريحة حول علاقتهن بالسرد القصصي والحاجة الدافعة التي جعلت من القصة القصيرة او الرواية مساحة مريحة للبوح والكتابة الإبداعية.

حيث قالت القاصة أسماء الزرعوني التي دفعها السؤال عن جدوى الكتابة إلى البحث عن أهميتها وكينونتها البشرية من خلال رسم الكلمات: داعبت الحروف أناملي وحملت هما في أعماقي، كيف لي ان اخدم الإنسانية من خلال رسمي للكلمات.

وقالت القاصة فاطمة محمد الهديدي في شهادتها: كنت احظى بحكايات تخرج من الكهوف العتيقة وتأتي من سفوح الجبال البعيدة، ومن البحار العميقة، ذلك ما كانت تجلبه ولا تبخل به زائرات العائلة وهن يتناوبن على السرد لي.

وقالت القاصة الدكتورة أسماء الكتبي في شهادتها: ان حياتنا تبدأ قبل مولدنا بكثير لذلك فإن تجربتي في الكتابة بدأت قبل تعلمي الكتابة، بدأت من ان عرفت القراءة.

كما قالت القاصة عائشة عبدالله: جميل ان يكون هاجس الإنسان قلما يمسكه بيده فيبوح القلم بما يختلج في صدره ويكتب بدم قلبه كلمات تخاف الألسن النطق بها.

وفي ورقته التي تناول فيها تحولات الخطاب في القصة النسوية الإمارات أشار الباحث عبدالفتاح صبري في مقاربته بين جيل رائدات القصة المحلية والجيل النسوي الجديد إلى ملمحين هامين يتعلقان بمسارات السرد وسياقات مضامينه. حيث يفند صبري مرحلتين الأولى: تشكلت من رائدات القصة القصيرة في الإمارات، مريم جمعه فرج، شيخة الناخي، سلمى مطر سيف، أمينة بوشهاب، باسمة يونس، سارة الجروان وليلى علي، والثانية تشكلت من قاصات مجددات من أمثال: فاطمة الزرعوني، ريا مهنا، عائشة عبدالله، فاطمة الكعبي، أسماء الكتبي، ليلى سالم الصم وأخريات.

ويستنتج صبري في دراسته أن الخطاب الأنثوي التقليدي والذي انتهجته الرائدات والذي تبنى البحث في قضايا المرأة وفقا لما تسمح به العادات والتقاليد، وبالتالي لم يكن هذا الخطاب قانعا ولا خارجا عن سلطة الذكورة، هو فقط احتج بهدوء وحاول فضح الحالة الذكورية من خلال التمترس خلف بعض إشكاليات المرأة في سياق المجتمع مثل قضايا الزواج والطلاق والعنوسة.

أما الدكتور علي بن تميم فقد وجه من جانبه نقدا حادا إلى أساليب النقد التي تناولت القصة النسوية مشيرا الى ان تلك الأساليب التي طبقت تجاهلت مناطق مهمة في قراءة الأدب النسوي كان الأجدر الأخذ بها.

من جانبه تساءل كذلك الدكتور حسن مدن عن سر العزوف وسر الغياب الذي تمارسه قاصات الرعيل الأول في القصة النسوية وسبب الانزواء والاختفاء مشيرا الى ان هذه الظاهرة تشكل خطرا على التراكم الإبداعي، ومعلقا على النتاجات الجديدة للقصة النسوية بأنها نتاجات لم تستفد من التراكم، بل هي انطلقت كبدايات مثلما انطلقت التجارب الأولى.

تجدر الإشارة الى ان ملتقى الشارقة الثاني للقصة الذي اختتم أعماله بالأمس سيصدر توصياته الختامية متضمنة خلاصة الآراء والدراسات التي قدمها المشاركون خلال الجلسات.

نصوص ونقد

وتواصلت فعاليات ملتقى الشارقة الثاني للقصة، حيث شهدت قاعة قصر الثقافة قراءات قصصية لثلاث من القاصات المشاركات في الملتقى، وهن هدى الجهوري من سلطنة عمان، وإستبرق أحمد من دولة الكويت وفاطمة الكعبي من دولة الإمارات، وقد أدارت جلسة القراءات الكاتبة الإماراتية مريم سالم، حيث بدأت هدى الجهوري بالقراءة وقدمت قصة (طرق بكعب عال) ترجمت من خلالها أحلام امرأة تصر على النهوض من أجل الصعود عاليا.

وتهيئ لنفسها مخارج للتحدي لتخرج من نطاق البيت والحي والقرية، والجهوري بذلك لا تبتعد عن قضية المرأة المقموعة التي تمتلك من الطاقات الخلاقة ما يؤهلها لانجاز الكثير وتحقيق المزيد من النجاحات لها ولمن حولها، لكنها تصطدم بالعوائق أولا ثم بالواقع ثانيا، وهو ذلك الواقع الذي ناضلت للوصول إليه، ثم هو نفسه الذي أعادها القهقرى، فبعد ما عرفته وخبرته، فضلت العودة لما كانت عليه.

أما إستبرق أحمد فقد قدمت قصة بعنوان (تجليات في زمن العتمة) وأيضا يوجد في النص صوت امرأة لكنه ليس البطل فالبطل هنا المفارقة بين القوة والضعف، وبين الحيوية والبلادة، تماما كما هي بين الخير والشر، من خلال توأمين شبيهين، ثم الهيمنة والاستغلال من أحدهما تجاه الآخر.

أما فاطمة الكعبي التي غابت عن اللقاء، فقد قرأ قصتها الإعلامي العماني سليمان المعمري، وكانت بعنوان (رجل) حملت القصة وصفا لحالة من الانصياع للرغبة، ومحاولة للتمرد على كل الروادع، وذلك بتجاوز الموانع والنواهي مهما كانت، من أجل ساعة أو بعض ساعة للقاء قررت بطلتها أن تضع به حدا للجدب الذي كان يزحف على شبابها.

وقد أثارت القصص الثلاث الكثير من النقاش والمداخلات حد الجدل، الذي دار بين الشكل والمضمون، وبين المستوى والأسلوب، كما شهدت مقارنات بين فن القصة الحديثة والكلاسيكية، واستشهادات بنماذج من القص الكلاسيكي رآها البعض غير عادلة، ففي الوقت الذي استحوذت قصة (طرق بكعب عال) استحسان الغالبية، حيث تستلهم هدى الجهوري موضوعاتها من القرية والأجواء الريفية، وهي لها معين لا ينضب لما تفوح به من نكهة الريف وخصوصية القرية ومفرداتها الشعبية التلقائية، إذ تستمد عوالمها من الذاكرة الحقيقية عبر تربيتها ومنذ الطفولة حين وجدت في بيئة ريفية قروية تزخر بالحكايات اللذيذة.

ووجدت قريتها كعروس تنام على كتف جبل، وترى الجهوري أن المرأة الريفية تمتلك تقنية رفيعة ومذهلة في الحكي، بينما المدينة والمدنية تشوش هذه التقنية، وأن الحاجة إلى القصة التقليدية ليس ملحا، طالما التقطيع كشكل في القصة الحديثة لا يفقد القارئ المتلقي الاسترسال مع الحدث والشخصية، علما أن الكتابة لا تتبع الموضة حتى ولو اختلفت شخصيات وخصوصيات الكتاب، لكن لا ينبغي التوقف عند الشكل طالما النص مدهش.

وقد أيد البعض الرغبة في التجديد، وشرع وجودها، مع رفض أن تصبح الرغبة في التجديد والابتكار مبالغا فيها، علما أن الطريقة الكلاسيكية التي يهجرها كتاب القصة الحديثة باعتبارها نقيصة لا تعبر عنهم، عاد إليها كثير من كتاب القصة في التسعينات، مما اعتبره البعض مؤشر نضج.

وأثارت قصة (تجليات في زمن العتمة) أسئلة حول التقطيع في أسلوب السرد الذي يقترب من فن السينما، ومدى ملاءمته للسرد، على الرغم من اشتمال النص على أصوات سردية، إلا أن السؤال كان عن تأثير هذا الأسلوب على تقنيات الفن القصصي من حيث السلب والإيجاب.

ومن حيث الصعوبة والسهولة، وهو الأسلوب الذي يعتمده غالبا كتاب القصة الحديثة، ومنهم إستبرق أحمد التي أكدت على افتقادها تضاريس العوالم في الذاكرة سوى بيت جدتها، وفقدُ مثل تلك العوالم دفع بالكتاب إلى الاعتماد على التقاطات من الواقع أو من المخيلة، أكثر من التقاطات الذاكرة.

حيث إن الكاتب لا يتكئ على عوالم محددة، وإنما على عوالم مفتوحة، وأن ذلك هو من التقنيات التي لابد أن تتغير، لأن هذا ما يتطلبه التطور الفني التقني، لكن ذلك لا يعني أن الطرق الأخرى غير جيدة على الرغم من ميل البعض إلى التقنيات الكلاسيكية.

ورغم اختلاف الرؤى إلا أن الاتفاق تم على ضرورة الإبقاء على عناصر القصة، وهذا لا ينفي استفادة القصة الحديثة بالفنون المختلفة من تشكيل وسينما، لأن هذا التداخل والتشابك أدى إلى نوع من الجمالية، حتى حين يهمل عنصرا على حساب عنصر آخر؛ لكن إهمال شرط من شروط القصة يؤدي إلى سقوط أو ضياع النص، وأن الإمتاع هو أهم شرط في العمل الإبداعي بصرف النظر عن الشكل أو الأسلوب.

في حين علق البعض أن فاطمة الكعبي تشتغل على القارئ بالأسلوب الذي يقوده فيه النص إلى الجنس، ثم يتركه في لحظة فارقة.

إضاءة

الخطاب الأنثوي الجديد الذي أسسته قصة شابات جدد، تبنى البحث في قضايا مغايرة متصلة بالجسد والذات والآخر وتجلت فيه المطالبة الأنثوية برفض قيم الذكورة الفوقية وتدني المرأة، وتعدى ذلك إلى مواجهة الرجل ومحاولة تنكيره وتهميشه في رد على ذلك الخطاب الذكوري الذي ساد كثيرا.

تغطية: مرعي الحليان، فاطمة الهديدي