فلسفات كثيرة تحاول ان تجذب الإنسان إلى العيش في الحاضر والتمتع بلذة تفاصيل اللحظة التي يعيشها بدلاً من الغرق في توقعات المستقبل أو ذكريات الماضي. فالقابض على اللحظة والممتلئ بها كالقابض على الزمن كله. الزمن الذي إذا انفلت من أيدينا لا نعود قادرين على الامساك به.
دخل اثنان إلى غرفة الانتظار في المستشفى، الأول كان يفكر خارج المكان في أمور ستحدث لاحقاً وربما لن تحدث، اما الثاني فحاول الإمساك باللحظة والعيش فيها فبدأ بملاحظة تفاصيل سقف الغرفة والأشكال الهندسية المصنوعة من الجبس وأدرك ان من قام بتصميم السقف يفتقر إلى المهارة الفنية بسبب اختلال القياسات والأبعاد في تلك التصاميم، ثم نزل بنظره إلى بلاط الأرضية المغسولة للتو بالمطهرات.
لكن في الزوايا والأطراف كانت بعض البقايا السوداء والأتربة لا تزال عالقة ومتراكمة، ولاحظ أيضا ان موظفة الاستقبال سمينة جدا وهي تلتهم قطعة شوكولاته واحدة كل خمس دقائق، ثم راح يطوف ويقرأ بقية تفاصيل المكان والأشياء والناس بمتعة غامرة تعادل متعة من يكتشف قارة جديدة بأكملها.
هذا الاستغراق في تأمل التفاصيل لا يدوم عادة سوى بضع ثوان، اذ سرعان ما يأخذنا العقل إلى الانشغال بأمور وأفكار أخرى، ولذلك ابتكرت الفلسفات الروحية الكثير من الوسائل والمناهج السلوكية للتدرب على التركيز في اللحظة، حتى لو كان الإنسان وحيداً في الغرفة أو في مكتب العمل، عليه ان يخصص بين لحظة وأخرى مساحة لتأمل ما حوله من الأشياء وان يعيد اكتشافها أو الإحساس بها. وعليه أيضا ان يطور هذه المهارة بحيث تذهب تأملاته إلى جسده، كأن يراقب رجله اليمنى ويعمق الإحساس بها، ثم بقية الأطراف وهكذا.
بالنسبة للشاعر، فإن لحظة الكتابة هي لحظة التأمل العظمى، والشعراء الكبار هم الذين يطورون مهارة العيش أو القبض على هذه اللحظة لكي تكون قابلة للاسترجاع دائماً، لذلك نجد بعض الكتاب الكبار يبدعون أجمل نصوصهم على طاولة في مقهى على الشارع العام من دون اي شعور بالضجيج، وآخرون يفضلون الصمت والاعتزال بغية الوصول إلى اللحظة نفسها. وسواء كان المرء شاعراً أم مهندساً ام عاطلاً عن العمل، فإن هذه الطريقة في امتلاك اللحظة الآنية هي التي تجعله يشعر ويحس بسيطرته وامتلاكه لأدوات المكان والزمان معاً.
مرت السحابة ولم يشعر بها سوى العصفور
الناس في سهو يفكرون في الماضي
النساء في بهو وجميلات في مرايا الذكريات
الشباب في لهو
ولا أحد يكتب على جدار الزمن ما يحدث للتو.