انفضت الدورة الرابعة لمهرجان المربد الشعري المنعقدة في البصرة مطلع شهر يونيو، لتنتهي هجرة أخرى من هجرات الوادي القديم الذي كان سوقاً أجرد تكسوه الحجارة البيضاء الرخوة، وصار سوقاً لمنتوجات البادية ومواسم التمور، ومنبراً للشعر والخطابة، ومحلة تزدان بالقصور ودور الراحة، ثم مقبرة للأولياء والصالحين. دار الزمان على الوادي فعاد بلقعاً يرسل كل عام ميراثه الرمزي لينتصب وراء منصات الشعر، ويبث رسائل الخراب في جدل أمكنته المتغيرة.
كان السباخ والقصب والحجر الأبيض ورياح البحر ميراث البصرة الطبيعي، حتى أوفد عمر بضع مئات من المقاتلة وعيالهم ليعمروا أرض الخريبة هذه ويشقوا أنهارها ويغرسوا نخلها ويمدوا سككها ويخططوا الأخماس لقبائلها، فكانت خطة المربد واحدة من الخطط الخمس التي تحولت إلى برلمان لإنشاد الشعر ومحاورات النحو ورواية الحديث والأخبار، جذبت إليها قبائل الحجاز والخليج لتستوطنها وتطلق في أرجائها روح القوافي المجنحة بالموسيقى وصور الغيلان وأخيلة الشراب وأحاديث السفر والصعلكة.
على واحدة من خطط البصرة المتناسخة أقيمت دورة المربد في المركز الثقافي النفطي، تحت قبةٍ ثمانية الأضلاع منصَّفة، تتدلى من مركزها الشاهق ثريا مرصعة بفصوص كأنها نجوم تهدي قوافل الصحراء المهاجرة إلى موطن جديد يتضافر فيه رأسمال الشعر ورأسمال النفط، وتعتلي مسرحه منصة صُنعت من هيكل سفينة شراعية نُثرت حولها الأزاهير وسالت من مضخمات الصوت في جنباتها أغاني البحر وإيقاعاتها الراقصة، فكأن هذا الميراث المتحول من الوادي إلى القبة، ومن البحر إلى المنصة، سكة ستجرف الشعراء المقذوفين في الآفاق، وتعيد ما انطوى من ضجيج القوافي المتقافزة مثل الظباء.
تقدم المربد أربعة فراسخ من موقعه القديم، واقترب من شاطئ النهر، كي يجرب هجرة أبعد، سالكاً سكك الثقافات المهاجرة منذ قيام بيت الحكمة والمارستان العضدي والمدرسة النظامية في حاضرة العاصمة العباسية، مواصلاً جدل اليوتوبيا والخراب، ناقلاً معه الشعر في غير مكان ثابت. ارتحل في سفينته المنتظرة على المنصة عازماً أن يترك على حافة الوادي القديم ضجيج الوجوه المتزاحمة على المنبر، ولهجات القبائل المتناحرة لاعتلائه، وصور الذكرى الملتقطة بكاميرات الديجتال.
يعتمل جدل المربد بعوامل الشعر نفسها : الخراب واليوتوبيا والهجرة. ما أن يتمالك الشاعر صوابه من هول الخراب حتى يشد الرحال بعيداً عن مواطن الصبا والشباب، سالكاً واحدة من سبل الفرار التي حملت مطاريد السلطة وخلعائها عبر المفاوز والقفار. كان مالك بن الريب قاطعاً للطريق بين البصرة ومكة، ثم انتهى ملدوغاً في خراسان. وطارد زياد الفرزدق من البصرة إلى المدينة. وخرج المتنبي مع قرامطة السماوة، فسُجن في حمص، وتنقل بين حلب ومصر وشيراز، حتى لقي حتفه بسيف فاتك على طريق عودته إلى بغداد.
وبعد هؤلاء همزَ جدلُ الهجرة ظعائنَ الشعر العراقي الكلاسيكي والحديث، فأدلجت في طرق اليوتوبيات الضائعة حتى تقطعت حبال الحنين بالكاظمي والنجفي والجواهري وبلند الحيدري والسياب والبياتي ويوسف الصائغ، ولمّا يبلغوا حلم العودة إلى أوطانهم. كانت هذه هجرة في درب دائري مغلق، بين نوء طالع ونوء غارب، قبل أن تبدأ الهجرة الثانية لشعراء التجديد والحداثة على الطريق المفتوحة مثل سهم بلا عودة، أخذ ينطلق أمام الأنواء حتى أقصى الحلم الضائع.
وهنا بلغ الجدل غايته في هدم سلطة المكان واستبداد الخراب بإرث اليوتوبيا المبعثر، واشتغل جدل قصائد (شعب بوان) و(الطبسين ) و(الديارات) في تحريك جدل قصائد (غريب على الخليج) و(عبور الوادي الكبير) و( بستان عائشة). وما زال صدى الهجرة المقطوع يطرق حلم نازك الملائكة المغلول بغيبوبتها.
يتضافر جدل الشعر العراقي في جدائل تتراقص في مهب «الرياح التاريخية» وهيكل الأرواح المتراسلة، على أنقاض اليوتوبيا المربدية وأحلامها الهائمة بين وحشة الصحراء وأنس المدن. هنا القصائد تمشي على «أزهار ذابلة» بانتظار أن تبحر بها السفائن عن الشواطئ الملغمة. هنا الحاضر والماضي، الحياة والموت، البداية والنهاية، الاعتراف والصمت، هنا بشار وأبو نواس. لكن المربد راحل عن مكانه. ما عاد هنا، إنما في مكان آخر. إنه في جدل الأمكنة المهاجرة، بين نوء طالع ونوء غارب.
تنتظر المربد مرابع طبيعية ساحرة في أكثر من مكان عراقي، خلوات منيعة في رؤوس الجبال، ضفاف رائعة الاخضرار عند منحنيات الأتهر، صوامع منعزلة في أطراف الصحراء. أمكنة مجدولة بيوتوبيا الشعر، تتآلف فيها أوزان وإيقاعات المقامات الحجازية والعراقية الصادحة بحنين الألفة وحرارة اللقاء، النهاوندية والقورياتية المشبعة بنداء الرحيل والابتعاد، الخلوتية الصوفية المغرقة بأحزان الوحدة والانقطاع. أماكن وفصول تنقذه من خرابه. يهرب المربد إلى أمكنته البديلة، يغادر إلى طبيعة الشعر الحرة.
المربد هنا، لكنه في واد آخر، يستدعيه جدل الصوت الهارب في أوتار قيثارة أور الذهبية، جدل يقودنا إلى عبقر الشياطين، أو إلى دار الملائكة الحائمين حول منبر الشعر في دار ندامى. عظام أربع وسبعين قينة مدفونة في مقبرة أور الملكية تُبعث من رقدتها لتلاعب أوتار القيثارات في الدار التي تخيلها أبو نؤاس لصحبه. هنا المربد، ليلة زنجية في أبيات المعري، أو حبب على عسجدية في أبيات أبي نواس، تطلعان من مكان ليس على خاطر:
ودار ندامى عطلوها وأدلجوا
بها أثر منهم، جديد ودارس
مساحب من جر الزقاق على الثرى
وأضغاث ريحان، جني ويابس
حبست بها صحبي، فجددت عهدهم
وإني على أمثال تلك لحابس
أقمنا بها يوماً، ويومين بعده،
ويوماً له يوم الترحل خامس.