«هذه (براصات) بالأوردو، نعرفها زين» ثم أشار فرج بن بطي المحيربي بيده «شوف، ما أحّد يطلع يبا إفريقيا وإلا الهند هالوقت، يطلعون الشهر العاشر(أكتوبر) يوم توقف الدواليب والأمطار، سايرين في تجارة شالّين الطحين والشِّكر والعيش والتمر، وإلا حق الغوص، عربنا هنيه يغوصون حتى في بحر افريقيا وجزر الهند و سيلان».

كنتُ قد ذهبت لهذا الراوية المعروف بخبرته في البحر بعد أن بحثت في المصادر المتوفرة عن (غونو) لأستمع من أهل الخبرة عمّا يقولونه في هذا الشأن. قلت: «ولكن يا بو مروان، سمعنا فلان يقول في الراديو إن مثل إعصار (غونو) لم يمر منذ حوالي مئتي عام».

اعتدل في جلسته وابتسم وهو يقول «أولا هذا مب إعصار، ثانياً فلان أخطأ. أهل البحر من نواخذة وتجّار يعرفون. أبوتنا وجدّانا من زمان سمّوها (دواليب) (جمع دولاب) تنزل الرياح من السماء وتضرب البحر العميق فتُحدث فيه ما يشبه الحفرة ينتج عنها صعود الأمواج، يشوفونها البحارة مثل عمود عود متصل بين السما والما، وقت ما كانوا يبحرون في المحيط الهندي».

قال ضيف الإذاعة: «لم نجد أي تأريخ أو تسجيل لإعصار مشابه ل (جونو) خلال القرنين الماضيين»، وبعد ساعات قال أحد البحّارة من الفجيرة: «حدث مثل هذا قبل خمسين عاماً». ويتذكر جمعة البواردي أكتوبر من عام 1946 حين جاءت (الشِّمال) العاصفة وهدّمت بيوت السعف، حيث توفي عمّه جمعة بن بطي البواردي في منطقة زعبيل إذ سقط عليه سقف الخيمة بينما كان يحتضن ابنه.

أما العديد من الرواة فإنهم يستعيدون (طبعة) بن سلوم المعروفة عند أهل البحر في دبي. وفي الوثائق تؤكد كاميرا رونالد كودري بالصورة حطام السفن حين ضربت (الشّمال) ساحل دبي عام 1950 تاركة خلفها حطام 80 سفينة.

لطالما كانت هذه السواحل مسرحاً تتجدد على رماله الفصول والمواسم كما هو الحال في العالم كله، غير أننا لا نعيش القرون لنرى كل شيء. وقد أرخ المايدي بن ظاهر في القرن السادس عشر بتصوير شعري فائق أحد العواصف:

لفا الأرض ديمٍ لفّها آخر العشا لفا والي الوديان عجّل حدورها

تسعين ألفٍ م المعيريض برهدوا مشروكةٍ ما بين مسلم أو قورها

وإلى نخيل الحيل جتها مسايلٍ عواوينها قد غرّق الما جذورها

وإلى كمّلت تسعين يومٍ على الوفا دنا القيض منها هدّم الحمل زورها

و«المعيريض» منطقة في رأس الخيمة قتلت فيها عاصفة هائجة تسعين ألفاً (برهدوا) أي هلكوا من المسلمين ومن (قورها) أي الكفار ويقال الهندوس من غير المسلمين، وفي (الحيل) وهو اسم منطقة غمرت مياه السيول جذور النخيل العالية.

أما اكتمال ال (تسعين) يوم فإنه يؤذن بنهاية (الصيف) وهي أشهر أبريل ومايو ويونيو، وبدأ (القيض) وقت نضوج (الرطب) حيث يثقل (الحمل) وهي عذوق الرطب فيهدّم أو يؤدي إلى كسر (الزور) وهو جريد النخل مما يلي الجذع، دلالة على اكتمال النضوج، كما جاء في شرح حمد بوشهاب.

وفي المراجع نقرأ عن موسم (الرياح الموسمية) وهي فترة تبدأ من ابريل عندما ينتهي فصل الربيع وتستمر حتى أكتوبر، فتشتد فيها العواصف وتتراكم السحب فوق المحيط الهندي والسواحل المحيطة به وتهطل الأمطار بغزارة.

والتسمية المعروفة اليوم هي ( مونسون) Monsoon المأخوذة من (موسم) العربية، وهذا يؤكد أن ربابنة المحيط الهندي كانوا عرب عمان والخليج والجزيرة العربية لقرون طويلة قبل ظهور سفن الأسطول البرتغالي على شواطيء افريقيا