التأليف كما أفهمه هو مقدرة الكاتب على أن يؤلف بين عشرة أشخاص من الواقع في شخصية واحدة يقدمها روائياً، لذلك فكلمة «تأليف» هي أقرب إلى الروائي أو الحكاء من غيره لأن من ضمن مهمته أن يكون بارعاً في مقدرة التأليف بين التشتت الذي يلتقطه من الواقع ويوظفه ضمن نسيج فني ولغوي وتقني وكأن هذه الشخصية هي بالفعل شخصية واحدة وليست أجزاء من شخصيات.

الروائي البارع يتمتع إضافة إلى هذه المقدرة على التأليف بقوة الإدراك التي تمكنه من أن يجعل من أشخاصه ومن أحداثه أشخاصاً وأحداثاً كونية، ويخرجها من الإطار المحلي الضيق، وهو يتمتع بموهبة أصيلة في الحكي، وبقوة ملاحظة الأشياء.

عندما يمضي في طريق ما ينظر إلى كل شيء حوله، ولا شيء البتة لا يلفت نظره، انه دائم البحث لملاحظة الأشياء التي لا يلاحظها الآخرون، ولا يكتفي بهذا، بل يضيف إلى كل هذه العوامل روح الإبداع، وهو لا يعجبه أن يلعب مثل هذا الدور فقط دون أن يكون مبدعاً، وكذلك مفكراً، وشاعراً.

يظن أحياناً أن كتابة رواية متميزة مقترنة بخصوبة خيال كاتبها الذي عليه أن يكون خياليها بامتياز حتى ينجح في إبداع شخوصه. حتى أن الفن ذاته يكون مقترناً بقوة الخيال، فإن يقال: هذا مؤلف، يعني أنه فنان، وأن يقال: إنه فنان، يعني أنه يبني عمله بلبنات من خيال.

في الماضي كنا نرى كلمة «تأليف» على أغلفة الأعمال الروائية والقصصية، ولكن في وقتنا تكاد تختفي تلك الكلمة، ويكتفي المؤلف ان يضع اسمه دون ان تسبقه كلمة تأليف، بل أن البعض يتحرج إذا وضع هذه الكلمة جوار اسمه. وفي حقيقة الأمر فإن هذه الكلمة هي الأكثر تعبيراً عن مهمة الروائي والقصصي.

لقد اتضحت لي هذه الحقيقة فيما بعد، وتحديداً بعد أن قرأت أول رواية كتبتها، فتبين لي أنين قمت بعملية تأليف بين مجموعة من أصدقائي المقربين وأخرجتهم في شخص واحد هو بطل الرواية، كنت كلما قرأت ذاك البطل رأيت ملامح وسمات وخصوصيات وحتى عبارات أصدقائي هؤلاء، حتى أنني شعرت ببعض الحرج من أن أحد أصدقائي سوف يرى جزءا منه في تلك الشخصية.

كنت أرى بوضوح الأحداث التي رووها لي، علاقاتهم الأكثر سرية، سلوكياتهم وجهات نظرهم في أمور بالغة الحساسية والإحراج، ومع كل قراءة كان يتأكد لي أن هذا «الزعيم» انما هو كائن مؤلف من مزايا مجموعة أشخاص في الحياة، وهو ليس من كوكب آخر، بل لا يستطيع الكاتب ان يأتي بشيء من كوكب آخر غير الكوكب الذي يعيش فيه مهما رأى الآخرون بأنه يستعين بالخيال وفق مفاهيم متعددة.

ثم كنت أنظر في شخصية «زعيمة» الرواية فأراها تحمل مزايا وخصوصيات نساء عرفتهن: الأخت، الابنة، الخالة، الحبيبة، العشيقة، الصديقة. امرأة «مؤلَّفة» من كل تلك النسوة اللاتي عرفتهن، عند ذاك تأكدت لي حقيقة واحدة أن الرواي ينجح في مهمته على قدر نجاحه في أن يؤلف بين عدة أشخاص من الواقع في شخصية روائية سواء كانت خيرة أو شريرة.

كاتب سوري