أثارت الزميلة «الحياة» من جديد وعلى مدى أسبوع جدل الحديث عن الشاعر العربي الكبير «أبوالطيب المتنبي »، وقد انقسم المتحدثون إلى ثلاثة فرق.
الفريق الأول من وقف ضد المتنبي يحاول أن يجد هنة أو صفة رديئة يلصقها بالشاعر، وبدأ هذا الفريق يحاكم شعره وتصرفاته ومواقفه وفق منظور معاصر بما في ذلك أدلجة المتنبي، ومحاولة تسييسه، وكأنهم يريدون منه أن يكون شاعر عصرنا لا نموذجاً لعصره، ولزمنه ووفق معادلات معاصرة.
الفريق الثاني الذي حاول أن يبين قيمة شعر المتنبي، وحداثته، والنقلة الفنية التي حققها، وحياته غير العادية التي عاشها، وغربته، وكل ما كان لهذا الشاعر الإنسان من حياة مضطربة باضطراب عصره، وتناقض حكامه متماشياً مع مجتمعه، وقيم ذلك العصر، مؤكدين على إبداعه الشعري بالدرجة الأولى، والرد على مناوئيه بمبررات وحقائق مستعينين بالتراث الشعري العربي، وبكل ما ذكره التاريخ الشعري لنا عن هذا الشاعر الخلافي الجدلي.
أما الفريق الثالث فكان حيادياً، يرقص على الجانبين محاولاً مسك العصا من وسطها.
ومن خلال الاطلاع على كل الآراء المطروحة في الاستفتاء، يصل المتتبع إلى حقيقة ثابتة لا يمكن التغاضي عنها، ذلك أن شاعرنا المتنبي لو لم يكن شاعراً عظيماً ومبدعاً لما طرحته الجريدة للاستفتاء أصلاً، فقد صاحب أعلام الشعر العربي آلاف الشعراء الهامشيين، لكن العمالقة ظلوا عبر قرون أحياء في شعرهم معنا، فإذا ما ذُكر الشعر العربي، وتاريخه يعود كل هؤلاء القمم إلى الحياة من جديد، وفي مقدمتهم المتنبي.
أذكر في بداية الثمانينيات من القرن الماضي أن ظهر شاعر مجهول لم يكن قد تعلم فك الحرف، وكتب بعض الكلمات سماها شعراً نشرها في باب القراء في جريدة محلية، وفجأة أخذته العزة بالإثم وأراد أن يصبح نجماً فصرح لواحدة من الصحف أنه يطالب حرق كافة أشعار المتنبي وتراثه لأنه وصمة عار في الشعر العربي، وشاعر هزيل، وألصق به من التهم والجهل والجهالة ما كان هو يتمتع بها. ضحكنا يومها، ومرت عدة عقود على ذلك التصريح.. فلا المتنبي تأثر بتلك التصريحات، ولا صاحبنا الشويعر أصبح شاعراً، ولو عند أقدام المتنبي.
إن تلال الرمال المتحركة لا يمكن أن تغطى قمم الجبال الشامخة، والمتنبي إن وقفنا إلى جانبه أو ضده، فهو لا يحتاج إلى دفاعنا، لأن قصيدته هي الباقية، رغم ما قيل عنه وعنها عبر مئات السنين منذ ظهوره، وحتى قرون قادمة بعدنا، إنه واحد من أهم شعراء العربية، بل الإنسانية، نمتلك جميعاً مؤشرات على سيرته ومواقفه، لكننا لسنا مخولين بمحاكمته وفق مفاهيم عصرنا النقدية أو السياسية أو الاجتماعية أو الأيديولوجية.
إنه ابن عصره، لكنه شاعر ظل متوهجاً رغم كل ما كُتب عنه بل إن خصومه أنفسهم لم يحاكموا شعره، إنما معظمهم حاكموه شخصياً وفق مواقف انعكست على قصيدته. خاصة في مديحه وهجوه، وهل كان الشاعر العربي يملك إلا أن يهجو أو يمدح؟ إن أساس تقييمنا لكل منتج أثره الإبداعي، لا شخصية المنتج. والمتنبي سيبقى شاعراً كبيراً، ومهماً، ومبدعاً، وقمة من قمم الشعر العربي لكل الأزمان إن رضينا أو لم نرض.
