هيأتُ قرطاسي ومبراتي ودواتي لتدوين المشهد الثاني من سيرة معلمي الغارق في تأملاته. كان كمن يبحث عن ومضة خاطفة في ظلام عينيه..كان مرتبكاً وهو يفرد ورقة غارقة بالحروف والكلمات..
« هل نبدأ يا سيدي؟» كنتُ سعيداً وأنا أستمع الى وجيب قلبه.
« جاءني طائر النار في الأيام الماضية حاملاً كلماتٍ وحروفاً وفصاحةَ حب ملتبس.»
من أي اتجاهٍ جاء؟
من اتجاه القلب جاء.
هيأتُ نفسي لتوثيق نوبة شفافة من نوبات الحطاب: وماذا قالت الكلماتُ والحروف!
سينٌ من النساء رأت أن تبوح باختلاجاتها ..فبعثت طائرها من أوردة الدخان وشرايين الحرائق..إنها امرأة تبدأ من العنق ولا تنتهي ، كأنها سهامٌ من النساء ..
وهل هي جزءٌ من السيرة؟
لم يجبني الحطاب لكنه قال: خذ بوْحَها وانشره بين أمواج الرياح ودع البلابل تغرد وتغني لعاشقة صامتة، فكلماتنا الماضيات برقت في ثناياها فأورقت هي الأخرى كلماتٍ وحروفاً وقصائد غريبة..
عندما أعطاني الحطاب رسالة أنثى غريبة بهرني شعاعٌ شعّ وشعشعَ فيها. كانت الحروف تتصادم وتفترق ثم تجتمع بخيوط من حرير لمّاعة. كانت رائحة مطر تنبثق منها .. وحرائق..فرشتُ الكلمات أمامي: (حالي يشبه النساء اللواتي باغتتهن أحلامهن ولم يكتشفنَ بعدُ رحيقَ النوارس والكنائس والكاتدرائيات المحنطة .أغفل حين انسج توحدي في اكتشاف منعطف غابتك وأنت سيدها، تجسيد ضحكاتك البريئة ولون يديك اللتين ترسمان لي خارطة العمر كي تتوالد الأسئلة في منفاي وزهدك بي، أهجس يقيني وأتذوق عذوبة هباتي وأنا افرغ المستحيل من اعتناقك لصخب الغابة الحزينة وأنا أتحاشى التوحد فيك.
قلتَ لي يوما :- أن الأحلام المكسورة بفعل الحرب يرممها الأمساك بسحر الخرافة والخيال ..شيئان متضادان يمنحان الكون سحابة للصلاة ومئذنة للقيامة.
سألتني ذات يوم وأنت تمضي إلى ملحمة جديدة : كيف لنا أن نولع بالأماكن؟ هل تنبع من ذاكرتنا المعطوبة تضاريس أمل ينبغي له أن يعجب الزراع في غابتك المليئة باللظى والندم! يومها كان الموت يحدق بنا من كل صوب. يدق بقرونه أبوابنا الهشة ..فتتهاوى الأعمار مثل حبات الخردل.وكانت قامتك الرشيقة ترتشف من بحر صباح غابتك مذاق عبورها إلى الضفة الأخرى حين حملت الصباح على كاهلك وأيقظت الشمس.
كل القرارات يا سيد الغابة استعارتْ بيانها الأول من وجهك حين زارك الموت أكثر من مرة وجعلته يحدق في عظامك النحيلة ويتحاشاك خشية التشظي. وها أنا ذا التهم أفكاري وامضغ رؤاي بتمازج الذكريات بك ومعك وعنك وأنت تنظر لي كأنني الملم خارطة العالم تحت أبطي وأنت الرحالة الذي يجوب غابة الغربة يريد اكتشاف حبي عليها وأنا في وحل غربة الوطن ابحث عنك بمعول من خرافة.
هل اصنع وطنا من ورق؟ وارسم فأسك في خطوط مدنه الحزينة، هل اقتحم فيزياء الروح لتنثال فجوات ضوء غابتك من بين أصابعك القمحية وهي تزيل أثار مملكة مقهورة مثل بيوتنا الحزينة وحبنا الحقيقي الضائع ! ربما أخذتني وحشة الفناءات في سحابة الألوان الراعشة وقطفت قمح مائك من نداء الأبواب المكسورة بفعل العصف وجلجلة الأنهار اليابسة وهي تغوي ملامحي بتعرجاتها المنحنية فوق رأسي وأنت بعيد تمارس رحيلا في غابة النسيان. نبرتي راعشة وصوتي كذلك حين لأمست أشجار غابتك وتجسيد طيفك ، لم اعد اشعر بخصلات شعري، أتسلق شجرة اعترافك وإيقاظك ترانيم أوراق قديمة تركتها على عتبة الوطن ومضيت.
يومض كل ذلك في ذاكرتي وأنا أطفئه بعبث يديك وهما تعلّمان القلب قراءة الطالع، تنافسني في ذاكرتي على مرأى من القلب وأنت سيد غابتي، هل نسيت شكلي؟ شكل أوردتي وهي ترغمني على نطق حروفك؟ تجاهلتني ومضيت كأنك قديس يعلمني العقاب، تستهويني البدايات والنهايات يوم كنت تغزل بنولك إهمالي وتتمرد ببراعتك الذئبية في نسج غوايات ما كان لها أن تكون. اقتنصت جنون غيابك وقررت إيقاظ مخيلتي للارتماء في غابة جموحك، أتمنى لو تحولت إلى عشبه برية عابرة على جبل اخضر أو في جوف شلال، لا احد يقترب مني، لا احد يجرؤ على لمسي، هكذا سأظل في الهواء الطلق متجردة من الألم .. من الجرح .. من الحب ..
قلت لي يوما :- أجدني أتوارث فيك جرعات التوق وسلطة الحب، حبي الذي لامس عنان السماء ولم يستطع أن يصحو بين أهدابك الذابلة.. وهلال شغفي بك وان تضخ بجنبات صمتي بذرة الغياب والإهمال ولربما التشفي؟ وأجيب دون أن التفت لما قلته: حبي لك مثل صوفية مسجونة برداء أيامك؟ أصلي في رحاب طفولتي مسحورة بفانوس لقاءاتك مع الآخرين.
اسبق خطوي نحو ضوعك. تمسد على رحيقي وتتحدث بأشياء عابرة. نصحتني صديقتي: دعيه يمضي دون الم لعله يندم، ملأت دفاتري من رسم وجهك وتعرجات يديك وأعود إلى وعي حواسي وابدأ بمحاسبة نفسي وتأنيب أمواج روحي كي لا استدر عطفك لي وأنت تمارس معي لعبة الشد والجر! هل اقهر موسيقى أيامي من دونك واحفر في جنيات الغابة وابحث عن عظامك؟ هل انسى تقنيات لعبتك المفضلة في تعذيبي وحرماني منك ..مارست معي ألعابا كثيرة ولكن لعبة الغياب أخذت مني كل أمنية زرعتها في قلب انتظارك.استيقظ الفردوس في بكارة أيامك وأنا امرأة تشتد رغبتي في سماع صوتك ، اشتاق لنبرات ؛ موسيقى متدفقة ، تعلمني انك مازلت عاشقاً كبيراً!
يا حطاب الغابة : أنا امرأة لا اغوي مشاعري بالرقود على عتبة قلبك ولا أريد له أن يستيقظ على هيمنة سطوتك ويطوف مثل راهب في محرابك. ها أنا أدرأ عن راهن لحظتي جحيمك والبس الفضاء المنفلت في رحلة أيامك .. التف حول أنفاسي كي لا توقظ هاجس ذكراك.. هي مصادفة يا سيدي الحطاب: أن تقاوم المصادفة وتتحول نواياك إلى مخاوف بوابة الألم واليأس في غياب لن يطول.
فاضت أيامي بوجع يعبق باللظى.. أغازل صمتي وأغادر غواياتي واعري رحيق انتظارك في جوانحي. هل أقاوم خراب روحي وجسدي وأنت تسقي كنارياتي في أقفاصها المحصورة بالغياب .أنا يا سيد غابتي المهجورة منذ غيابك ، من النساء اللواتي فسحن لأحلامهن أن تتطاول على منافيهن في الحياة كي يمسكن بمغزل ديمومتها ويقمطن نخل فراق الأحبة بشيء من التواصل.
تنبض موسيقى طولك في إبلاغ جبين حاجتي المستعرة مثل لهب وأقنن سموم انشغالي بك واختلق جنون لحظتي تحت مطر الخوف من احتساء رغبتي في لمسك، تسخر مني صديقتي الوحيدة :- قفي فوق خطوط يدك واتبعي دخان سجائره عبر نوافذ انتظارك ودوّني الفيض الهائل من أيامك تحتها .. اصحي يا صديقتي، قلب الحطاب لا يتسعك حتما؟ انه يحلم بامرأة تبدأ من العنق ولا تنتهي.
أدون اعترافي - كما تعودت في كل مرة - على أوراقي وهي تناغم ملامح سماتي في حبك واستفيض فيها بصدق اعترافي. عليّ أن أنشئ فراديس لمشاعري وأنقاض أحلامي وأهيل عليها ترابك المقدس ، وأنجو بنفسي من وهمك ، احرث وجعي وادخله نافذة غيابك.
قلت لي لا يمكن التمويه على تجليات الحب الحقيقي ولا يمكن لحقوله الخضراء أن تموسق الأشياء دون نشوة هذا الصدق، حينها أدركت أن أصابعك تلتف حول عنقي وتحط كالطير على كتفي وهي تبحث عن صحوتي فيها، ادفعها دون أن افتح عيني باتجاه أكذوبة الغياب، واطهر وجهي من فضاءات خيانة الوقت للقائك. انبش ذاكرتي واحمل خرافة عشقي واستدرج مسراتي وأنت تصدح في إذني كالهواء، أزخرف نفحات أنفاسي وأهدئ من روعها وهي تتنهد لمراقبة خطواتك .. تضحك من قلبك وأنت ترمي بها في درب ظمأى لرؤياك.
- هل نرتمي في فاجعة الغياب والرحيل مرة أخرى؟ اشعر أن أيامنا يا سيد الغابة تسخر منا، وأنت تنصت إليها وأنا أدلو باعترافي .. اعشق نحول جسدك السومري وعظامه التي أعدها واحدة واحدة من تحت قميصك .. أهجسها تنهض من مشيها الوئيد وتغلف إضلاعي بالأوهام حاملة فأس احتطابي من رحم صمتي .
لماذا يعبث بي كل هذا الوقت؟
أسعف مشاعري وأقود أيامي إلى جسر أبذره من غصن ذكرياتي واصفق الباب خلفي واطوي صدري على بساتين همي وازرع في غابتك واحات تخيط هزائم الصمت، وابني سلالم الألم أمزق مراوغتك وملاذي في إمطارك، يقولون:- (لا سعادة مع الذكريات) اشعر أنني متلبسة ذكراك ومنشطرة بيني وبينك؛ وحين جاء صوتك عبر الهاتف كان شلالا من الهزائم يزيح ضوء شكوكي ويفاقم طرقات الظنون على راسي، أجهشت بالبكاء تعلقت نظراتي بمقبض الباب : - لعلك تأتي أو حتى تقرع الباب .
القلق يعتصر قلبي وأحاول أن أجد تفسيرا لما حدث لي معك طوال هذه السنين تتسرب أفكاري من رأسي، فالشك يأكل نصف أوجاعي .. ان قلبي نفسه يهرب مني اتجاه خطواتك أطفئ لهيب شوقي واستنطق خطوط يدي النابضة من ذاكرة مرممة .. فالمكان هنا منعزل.. يحاول طمس أشيائي التي بنيتها من قلقي وشفافية اكتشافي للأشياء وتناغمها مع مفردات حياتي وتدفقها، انه محض صدفة قد تكون كاذبة، لن تتملكني هواجس الأساطير، هو الذي منحني صوته وواقعه ، وطبع أسماء الذين نحبهم في قدسية علاقتنا التي توقظ رغباتي بالانتماء إليها، في رغبة مكتومة تدق ناقوس الهمهمات الملم أشلاء هذياناتي واحترس من أصوات المارة بالموسيقى الدافئة بعيدا عن صخب التعثر بالماضي.
. ما يشبه الدفء، نسيج المفاجآت يداعب روحي بوحي انتظارك، ويغمس في آليات انشغالك تماثل الخيبات والانكسارات والمجهول.. أرمم بؤرة سر مرايا خرابي وهو يتحدث عني وأنا أناشدك الحب أينما تكن أمسك بالوقت من ردائه واذرع وصلات الغربة، ابتديء بك وانتهي واغرس ملامحي في نوايا متآلفة تشبه تمثال روحي .. أتكور في حقائب الزمن وارسم من طقس الحطاب عاطفتي وترا للخراب . حينها أشير إلى قلبي وأطالبه بالتريث..
دعني أغزل في فضاءات معاناتي في غربتك من نول مشاعري تضاريس ترشدني حتما إليك ....
سينٌ من النساء.