تبدأ اليوم فعاليات ملتقى الشارقة الثاني للقصة، تنظمه دائرة الثقافة والإعلام في الشارقة بالتعاون مع رابطة أديبات الإمارات واتحاد كتّاب وأدباء الإمارات، ويشارك فيه باحثون ونقاد من دول الخليج العربية.. إن العودة لإقامة هذا الملتقى ببحوثه وشهاداته ودراساته، وحجم المشاركين فيه يؤكد ما لهذا الفن من أهمية أساسية بين الفنون من جهة، ويثير أسئلة عن ابتعاد الكثير من المبدعين عن محاولة خوض تجربة الكتابة القصصية، وترك كتاب القصة لهذا الفن واتجاههم لكتابة الرواية من جهة ثانية.. فلماذا يحدث هذا رغم تناسب القصة مع معطيات العصر؟

هل تكمن المشكلة في صعوبة هذا الجنس الأدبي، أم في لغته أم في البناء أم في القدرة على التكثيف ؟ أم لم تعد مساحة القصة تتسع لهموم عصرنا؟ ولماذا كتب تشيخوف، ويوسف إدريس القصة القصيرة حتى مماتهما؟ ولماذا عزيز نسين كتب ويكتب بينما توقف الآخرون؟

إن القصة مازالت مستمرة في التطور عالمياً، فثمة أجيال جديدة خرجت من معطف همنجواي الذي يرى ان القصة مثل جبل جليد عائم ، يجب أن تُحمل من قبل الجزء الذي لا يرى .. وأجيال من معطف ماركيز الذي يقول : إذا كنت لا تستطيع رواية قصة في صفحة واحدة ، فاختصرها إلى صفحة واحدة ..

إذا القصة عند همنجواي تعتمد على الجزء الذي لا يرى ، أي التحريات والتأملات والمواد التي يجمعها الكاتب ، وعند ماركيز التكثيف .. وعند النقاد بشكل عام القصة لا تحتمل الوصف ، ولا يمكنها رصد كل جوانب الشخصية ، ولا تتسع لحدث كبير يحتل مساحة زمانية أو مكانية كبيرة، والحدث يحتاج إلى توضيح كي يتميز بين العناصر الأخرى المكونة للقصة بدلالات أو إشارات عن طريق السرد .

وفي الوقت ذاته لا يمكن الاعتماد بشكل كلي على السرد ليأخذ الحدث شكله النهائي، فغلبة السرد من المآخذ التي يعتبرها النقاد تؤدي إلى خلل في النسيج القصصي، مع عدم إغفال أن السرد عنصر مهم إذا استخدم وفق مقاييس فنية دقيقة، ليس بالنسبة للحدث فحسب، بل بالنسبة للقصة ككل، واللغة يجب أن تتناسب مع الشخصيات ومستوياتها ضمن الحوارات ،وان تكون ضمن النسيج العام للقصة من حيث الوصف والتعبير عن الحالات الشعورية ، ولو بلغة شاعرية أحياناً، فليست شعرية القصة محدودة فيما يتوهمه البعض من حدود اللغة .. ينبغي التمييز بين اللغة والأسلوب، رغم التداخل بينهما، إذ يمكن للأسلوب المكثف الموحي أن يولد مناخاً قريباً من الشعر وفضاءاته العذبة ..

واللغة النثرية السردية التحليلية ، إذا كانت متينة ومتماسكة ومشعة بالدلالات، قد تترك أصداء وتفتح آفاقاً جمالية في سياق البنية الكلية للعمل الفني ... ولكي يحقق النص شروطه الإبداعية يجب أن تتمحور حول الحدث علائقه ككل متآلفة في نسيج متماسك ( لغة ، وصف ، حوار ، سرد ) يوظف بدقة لتوضيح ملامح الشخصية وتطوير الحدث، وإبراز البيئة القصصية ، ومن ثم الوصول إلى قصة متكاملة على القارئ أن يستنتج موضوعها أو يستنبط جوهرها أو أسئلتها .

هل في كل هذا تكمن صعوبة القصة ؟ وهل هذه الصعوبة تحد من محاولة الخوض في غمارها، مع علم الجميع بأن القصة مبثوثة خلسة أو عنوة أو تختال واضحة في كل الأجناس الأدبية، حيث حين نتحدث عن حبكة ما، أكانت في النص المسرحي أم الروائي، أو حتى الشعري.. نبحث عن حكاية ما؟

abuhamed@albayan.ae