من إخراج جيزيل سالين Gisèle Sallin عرضت مسرحية الأم الشجاعة وأولادها على خشبة مسرح التامبت Théâtre de la Tempête في باريس وهذه المسرحية تعتبر من أحد أهم المسرحيات الكلاسيكية المعاصرة فقد ترجمت لجميع لغات العالم وهي تعرض في كافة المهرجانات المسرحية الدولية.

الأم الشجاعة هي الشخصية الأساسية في هذا العرض فهي تاجرة تعيش في فترة الحرب وهنا فإنها تريد أن تستفيد قدر الإمكان من الحرب حيث تبيع المؤن والأقمشة وكل ما يحتاجه الناس في تلك المرحلة العصيبة. لا تريد الأم الشجاعة أن تتدخل في أمور الحرب وخصوصاً فيما يتعلق بابنيها فهي تعارض تطوعهما في الجيش وتخشى إعلان السلام بين طرفي الحرب لأنها ستفقد بذلك تجارتها وفي نفس الوقت فهي لا تفضل الحرب لأنها ستقتلع منها ولديها.

عبر هذه الشخصية الملحمية يقدم الكاتب الألماني برتولد بريشت (1898-1956) مفهومه الخاص عن الديالكتيك الرأسمالي فعربة الأم الشجاعة تجسد التبادل الحرفي التجاري والتي تعتبر كأداة للاستقلال فهي تبني ثروتها من قوت الناس المتحاربين في خضم حرب دينية.

عندما اختار بريشت حرب الثلاثين عام كإطار زمني لمسرحيته فإنه كان يريد التنديد عبر تقديم صورة قاتمة للحرب ولرجال الدين والتجار، فالحرب كما يقول بريشت تقتل الفضائل الإنسانية فهو يفضل العيش بسلام على دوام الحرب التي تعتبر كمصيبة تحل على رؤوس الشعوب على حد تعبيره.

تدور أحداث المسرحية خلال حرب الثلاثين عاما حيث تقطع الأم الشجاعة أنّا فيرلينغ مع ولديها وابنتها الخرساء دروب أوروبا متنقلة على عربتها القديمة والمثقلة بالبضائع التجارية. تجتاز الأم الشجاعة المدينة تلو الأخرى وهمها الوحيد أن تفوز بصفقة تجارية من هنا وأخرى من هناك كي تضمن لنفسها قليلا من النقود التي يمكن أن تدفعها لتحرير ابنها بيد أنها تأخرت ونفذ حكم الإعدام بحقه.

أما ابنها الثاني فقد حكم عليه بالقتل بعد أن سرق خيرات الفلاحين وقت المعركة. كما تموت ابنتها عندما يقترب الجنود منها ليسرقوا بضاعة الأم الشجاعة أثناء غيابها في المدينة وعندما تحاول الفتاة الخرساء القرع على الطبل كي تنذر أحد المارة يقوم الجنود بإطلاق النار عليها.

هذه الحرب تجعل من امرأة كالأم الشجاعة غير قادرة على التعامل بشكل عاطفي مع ابنها الأول فهي لا تستغني عن عربتها من أجل تحريره من براثن الموت حيث يموت عندما هرب من المعركة بعد أن وضع كيسا من المؤونة في عربة أمه وعندما كشف أمره تم القبض عليه وراحت الأم الشجاعة تقايض الضابط على النقود التي يجب دفعها لتحريره.

هذه المسرحية ليست غريبة على الجمهور الفرنسي خصوصا وأنها حاضرة دائما في تاريخ العروض الباريسية لذلك نرى أن فكرة الإخراج مطروقة سابقا من قبل العديد من المخرجين حيث تم تصميم عربة كبيرة تتوسط الخشبة بحيث تركّب على سكة دائرية تسمح لها بالدوران وبالتالي الإيحاء بتنقل الأم الشجاعة من مكان إلى آخر. هناك لوحة كبيرة شفافة اللون رسم عليها مقاطع من الحرب وبذلك فإن بعض المشاهد القصيرة تمثل واللوحة موضوعة بحيث نرى الممثلين يتكلمون ويتحركون خلف تلك اللوحة.

أما غالبية المشاهد فهي تتم بعد رفع اللوحة وبعد أن يقوم أحد الممثلين بتلخيص المشهد قبل حدوثه. عبر هذه التقنية يحقق المخرج مفهوم التغريب في مسرحه الملحمي الذي أدخله بريشت على المسرح المعاصر والذي يقتضي بتنبيه المشاهد للأحداث التي تجري على الخشبة كي لا يشركه بها وبالتالي فهو يهدف للحؤول دون التعاطف مع هذه الأحداث وهنا فإن الممثل يقوم بالتذكير في مراحل مختلفة من العرض أن ما يجري على الخشبة هو مسرح عن طريق قطع الأداء التمثيلي قبل عرض بعض المشاهد وذلك لخلق حالة من الوعي لدى المتفرج.

باريس ـ منتجب صقر