- شكراً ، لا أُدخِّن
ثم نهضَ وغيَّرَ القنَالَ ، فصَاحَتْ طفلتُهُ: «اترُكها يا ربي ي ي!!...» وقالت أُمُّها: ( عَيبْ ماما... عنَّا ناسْ..) وهي تقصِدُني طبعاً، لكنَّ الطفلةَ لم تكترث، إذ ما كادَ «نجيبُ» يجلِسُ حتى قامَتْ وغيَّرَتْ القنالَ من جديد، وتظاهرَ نجيب بالرَّزانة:
«.. شُو أخبار الشَّبابْ» قلتُ وأنا لا أعرفُ مَنْ يقصِدُ: الحمدُلله، بخير!!
ويبدو أنَّ الطفلة لم تجدْ ما تريدُ، لأنهم، ربَّما، كانوا يَعرضونَ لقطَاتٍ من برامج السَّهرة، فغضِبَتْ وراحَتْ تضغطُ على الأزرار بعصبيَّة فصَاحَ نجيب: «اقعدي وْلي ي ي !.. يقطع عُمرِك !.. ى..خافَتْ البنتُ وخرجَتْ من الغُرفة، وظهَرَ شابٌ يسُوْقُ حماراً في مَسْلكٍ وَعِرٍ، وعلى ظهْرِ الحمار خُرْجٌ كِتَّانيٌّ أبيض، وكانتْ عَيْنُ الخرج اليُمنى تمِيْلُ، وتنزلقُ بهدوءٍ نحوَ الأرض بينما ترتفعُ العينُ المقابِلة، ورأيتُ الشابَّ يوقِفُ الحمارَ ويلتقطُ من الأرض حَجَراً، ثم وازَنَ الخرجَ ووضعَ الحجرَ في العَيْن اليسْرى، فكَّرْتُ: شَابٌ لا يُطِيْقُ المايلة!!..
وانقطعَ تيَّارُ الكهرباء، قالتْ زوجَةُ نجيب: الله يُهبُطْ فيْكُم!، وربما دَفعَتْ كُرسيَّا بقدَمِها وهيَ تبحَثُ عن شَمعة، أشعَلَ نجيبُ ولَّاعتَه وأعطاني فنجانَ القهوة، فاضطُرِرْتُ أن أشرَبَه على عَجَلٍ، ثم نهضتُ مُستأذناً ، قال نجيب:
«.. ويْنْ يا زَلمى!؟ بَكِّيْرْ.. وين رايحْ ؟ ..»
جَامَلتُه وأنا أبحثُ عن حذائي، وأضيئتْ الغُرفةُ فجأةً، وظهَرَتْ امرأةٌ تحمِلُ حذاءً وتتَوسَّلُ:
- اتركوه يلبسْ بوطو *
- ......
- إنتَ ما عندَك أم!؟
- .....
ثم ظهَرَ الشابُّ الذي كان يسُوْقُ حماراً، كان مَحْشوراً في سيَّارةٍ حَديثة بَينَ وُجُوهٍ صَارمَة، ورأيتُ رَجُلاً على شُرْفَةْ، وخَلْفَهُ، في العُمق، غَيمَةٌ حَبَسَتْ أنفاسَها، ما يُوحي بِبَلدَةٍ جبليَّة، وكان الرَّجُلُ يَنْهَرُ زوجَتَهُ وأولادَهُ: ... فوتو عَ البيت ، فوْتْ وْلا!.. ثم دَخلَ خلْفَهُم وأغلقَ بَابَ ، وأمامَ بيتٍ آخرَ قال رَجُلٌ لزوجَتِهِ :
(الله لا يِقلعْ عن قلْبُو ** )، وقالت امرأةٌ:
«..حَامِلْ السُّلمْ بالعَرْضْ..»، قلتُ: تصْبِحونَ على خَيْر.
* بوطو: حذاؤه
** قلبو: قلبُه
ـ فرحان ريدان ـ كاتب من سوريا يقيم في أبوظبي