في أحد نصوصه السردية كتب الأديب السوري عزت عمر عن مدينة حلب يقول: « تلك هي ساحة سعد الله الجابري تتوسط المدينة، وذلك هو نصب الشهداء الذي نحته الفنان عبد الرحمن موقّت. كانت بلدية حلب تعاقدت مع عبد الرحمن لنحت هذا النصب الضخم الذي يتألف من مجموعة من الشخوص تضطجع في وضعيات مختلفة، وفي منتصفهم وقف رجل يحمل راية خفاقة...
وكنت كثيراً ما أزوره في ورشته، وأرقب بإعجاب قدرته على تطويع هذه الكتل الصخرية التي تزن بالأطنان، وربّما يومها أعطاني عبد الرحمن درساً بصورة غير مباشرة، حول القدرات الخارقة للإنسان، فيما إذا قيّض له من يرعاه ويرعى إبداعه، وسيرة عبد الرحمن مع الحجر أبلغ مثال على ذلك».ما سيرة الفنان السوري عبد الرحمن موقت مع الحجر؟في لقاء معه على هامش معرضه الذي أقامه مؤخراً في صالة « غرين آرت » بدبي، قال الفنان موقت لـ «البيان»: زرت الكثير من المدن ولم أحب مدينة كمحبتي لحلب.. حلب مدينة الحجر الأصفر.. وأحس أن هذا الحجر جزء مني وأنا جزء منه.. حتى في دمنا، في خلايانا هناك شيء من الحجر الحلبي الأصفر..ـ ولماذا الحجر بالذات، وماذا عن المواد الأخرى؟
ـ علاقتي مع الحجر تمتد إلى أكثر من أربعين سنة، اشتغلت على مئات الأطنان منه.. في منحوتة الشهداء استخدمت أكثر من 25 متراً مكعباً من الحجر الحلبي، ووصلت المنحوتات إلى أكثر من 50 منحوتة، ولم يتوقف العمل على الحجر الحلبي فقط، فهناك منحوتات بالرخام الايطالي وصلت لأكثر من 250 طناً، أي ما يقارب 100 متر مكعب، وهناك أعمال بالبرونز، وأحياناً التشكيل يحدد المادة، فتمثال الحصان الطائر، لا يمكن أن يطير برشاقة بالرخام، فالبرونز أقدر على حمل هذه الكتلة الطائرة.. والخشب لم يكن ضمن عالمي ولا ضمن بحثي، فالمادة رحم لولادة أعمال الفنان، والحجر رحم لولادة أعمالي بشكل عام.
ـ وماذا عن قراءة الآخر لهذا المنجز بصرياً وتعبيرياً؟
ـ بصرياً، هناك نقاط لا نهائية من النظر.. الفنان الجيد هو الذي يمكنه أن يضبط أكثر النقاط بشكل صحيح.. حين نضع الكتلة في الفراغ، يمكن لأي نقطة أن تبين ملمحاً من ملامح الكتلة، وبقدر ما يحافظ الفنان على مجموعة من حيوية المساقط المدروسة ودققتها بقدر ما يقدم عملاً صحيحاً من حيث تناسق الأبعاد والظل والضوء وطبيعة المادة.
ففي الرخام السوري الأسود مثلا ثنائية الملمس، الخشونة والنعومة تعطي فراغاً موحياً، وحلولا صريحة، وطبيعة المادة تأخذ حيزاً من الحركة في الفراغ، إضافة للونها، فلون المادة يلعب دوراً خاصاً أيضاً إضافة لطبيعتها، فالرخام الايطالي مثلاً شفافية المادة تنعكس على شفافية التشكيل...وهكذا. تعبيرياً، قراءة اللغة التشكيلية قراءة صعبة، أحياناً يضطر المشاهد إلى التشخيص، ويرى أن هذه اللوحة تشبه امرأة، أو هذه تشبه فراشة.. يستعين بمفردات من حياته تساعده على القراءة، لكن القراءة التشكيلية الحقيقية هي قراءة جمالية تعبيرية، كما الموسيقى، فحين نسمع الموسيقى لا داعي لأن نضع لها كلمات، بل نعيشها، نعيش حالة ما..
الفن التشكيلي رؤيا جمالية، بحث جمالي له لغة مختلفة ومفردات مختلفة، والمشاهد يحتاج إلى خبرة بصرية كي يعيشه بشكل صحيح.
ـ وماذا عن تجربتك الحالية الأقرب على التجريد؟
ـ حين تفصل العمل الفني النحتي عن المفاهيم الثابتة التي تؤكد وجوده، كالأدب والحكاية.. حين تنظر له كحالة تشكيلية بحتة، ستدمج التعبير مع التجريد ضمن حالة واحدة.. تجريد وحالة إنسانية داخلية.. الأعمال المعروضة امتداد لتجارب سابقة كانت تعتمد على مجموعة من الثنائيات، آدم وحواء، رجل وامرأة..
وفي البداية كانت أكثر تعبيرية، والآن أخذت ترتقي إلى حالة أكثر تجريدية، وصلت إلى حالة لا يمكن أن تشعر فيها إلا بالنبض..في الرؤية الأولى تعطيك جزءاً، وكلما تعرفت عليها أكثر تعطيك أكثر.. الشكل الثنائي للمرأة والرجل تحول من التشخيص إلى حالة إنسانية مستمرة بتعاطفها وتوادها وتعانقها ودفقها الجمالي.. حالة انفعالية بعيدة عن أية تأويلات تترك للمشاهد مساحة كبيرة للمعايشة..
ولد الفنان عبد الرحمن موقت في مدينة حلب عام 1946 ودرس فيها وتخرج من دار المعلمين عام، 1967، بدأ ممارسة الفن التشكيلي الرسم والنحت عام 1960، وحصّل علومه ببحثه الشخصي وبدراسة مجموعة كبيرة من الكتب المتخصصة في علوم وتقنيات الفن التشكيلي، عام 1970 بدأ نشاطه الفني التشكيلي على مستوى القطر من خلال مجموعة المعارض الشخصية والجماعية، عام 1976 تفرغ لممارسة العمل الفني (النحت) في محترفه الخاص ولتدريس مادة النحت في مركز الفنون التشكيلية في حلب.
وبعدما سافر إلى إيطاليا عام 1980 ودرس النحت في أكاديمية روما وتعرف على الحركة التشكيلية، وأقام معرضاً لأعماله الصغيرة هناك، عاد إلى وطنه، ومازال متوهجاً بالطاقة الفنية، متحمساً لتنفيذ الأعمال الإبداعية النحتية وإعداد الدراسات النصبية في الساحات والحدائق، وإقامة المعارض الشخصية والجماعية في الوطن العربي وخارجه.
حوار: محمود أبو حامد

