عندما دخلت القوات الأميركية بغداد، كان الربيع يتهيأ لحصاد حقول القمح بمنجل دموزي. وقفت فلاحة تراقب دبابة أميركية حرنت قرب مزرعة جنوبي بغداد بعين التجربة المكلومة. كانت واحدة من قافلة دبابات ستعبر جسراً على دجلة وقت الفجر في عيون عمال المسطر. قافلة تضاف إلى قافلة خيول الجنرال مود وقت دخولها بغداد عام 1917 من الباب المعظم.

سقط تمثال مود بأيدي ثوار 1958، ثم سقط تمثال صدام حسين بأيدي المحتفلين في ساحة الفردوس. (أكثم بن صيفي يخطب في جموع الساحة). وبين سقوط التمثالين كانت عيون التجربة تقلّب الصور في الألبوم العراقي بحياد حزين. مَن ينظر، وما المنظور، ولماذا تشحب صور التجربة في الصيف بعد أن حصدها منجل الربيع في رمشة خاطفة؟

يأتي زمن التأملات حالما ينقضي الحصاد بعد كل ثورة وانقلاب واحتلال. تذري الريح قشور التجربة، وتسقط الرقاب مع سنابل القمح في موسم التجربة القصير. التاريخ يحاكم التجربة، فتترك هذه بين يديه صورها وكناياتها وأيقوناتها، ثم تنزوي مثل طائر مروّع بين أغصان شجرة مورقة. وفيما يذهب التاريخ زاعقاً بأسلابه، تحوم التجربة حول عشها نائحة مزقزقة على سرقة فراخها.

المدافع القديمة، شواهد القبور، الزنازين، المشانق، الصحف والمنشورات، الصور والتماثيل: نماذج من الأسلاب المطبوعة في نظر التاريخ الكليل. ثعلب الصحراء، القرش الأزرق، الحية المجلجلة: بعض كنايات الطبيعة وأيقوناتها المتخلفة في بيت التجربة المنهوب. تراقب التجربة مسمياتها وصورها بعيون محايدة. التجربة أكثر حكمة من أن تُختبر، أوسع ذاكرة من أن تتذكر، أكثر صبراً من أن تتألم، أبعد نظراً من أن تبصر.

تنبسط التجربة مثل حقل حنطة فسيح تحت الشمس، ولن يفلح السرد في تضمين مشاهدها العنيفة وصورها الفاضحة وكناياتها المنزلقة، ولا الحوار في كشف حقائقها على خشبة المسرح، ولا التأمل الشعري في الصمود طويلاً أمام السورات الملتفة في نهر التاريخ.

البلاد المجرّبة تتمدد مثل امرأة حامل بجنين أسطوري سيلد يوماً في وادي السلام، ولا سلام! الصوت المتكسر ـ رجع الأصوات البعيدة ـ يشرخ البطن الأسمر المكوّر نصفين، ويفتح السبيل إلى مستقبل قريب، ولا غد ! هدير ولا هدير، سكون ولا سكون، صمت ثقب السرطان. حروف ولا كتابة، نقطة صفر الكتابة !

هنا يتنطع التحليل الرامش ويتسلم زمام التجربة ليفرغ أمعاءها من عصيدة المآتم، وحنجرتها من أنين المخاض. رمشة ويتبرعم مفهوم بديل بين أغصان التجربة المتفرعة في زمنها المتطاول أو المتسارع. نسمة وتستأنس الطيور المهاجرة في أعشاشها. كلمة وتسمّي التجربة مواليدها الهاربين من أسمائهم.

المعرفة الجديدة، ميديا الصورة، الهواتف الخلوية، الأقراص المدمجة، ألعاب الكمبيوتر: ستوضع في خدمة التجربة كي تحكم نفسها بنفسها وتتحقق من استعمال هرمونات السلطة الجديدة المنشّطة. سيتاح للتجربة أن تقيم من حجارة الهرم المنهار سلسلة أهرامات مترابطة متجاورة، تعكس سطوحها الصقيلة الأطياف الديمغرافية المتكاثرة لسكان وادي الرافدين، المتصارعة على جرعات الطبيعة الناضبة: الماء والكهرباء والمحروقات.

هي ذي التجربة تتخيل كرنفالاً، بل تستعيد أخيلة الربيع المحصودة بمنجل الصيف: أولاً، النملة الحكيمة تحذر التجربة من زحف الدبابات مثلما حذرت قومها من زحف جنود سليمان. ثانياً، التجربة تحلق بالمروحيات في سماء بغداد كما حلقت في طائرة حربية ذات جناحين مزدوجين على تجفلات الثوار عام 1920 بامتداد نهر الفرات، ساحبة وراءها ظل جناحيها على المزارع المحاذية للنهر.

ثالثاً، التجربة تغادر طائرة العشرينات وتهبط بمظلة قبل أن تختفي الطائرة في غيمة بيضاء ويبتعد أزيزها. المظلة المترنحة تنجذب نحو أغصان شجرة عملاقة وتعلق بأغصانها، فتفرّ مئات الطيور الساكنة إليها، ثم تعود وتستقر عليها. رابعاً، الضجيج يلفت أعناق مجموعة من الحطابين المعمرين المنتظرين بفؤوسهم المثلمة أسفل الشجرة نهاية الكرنفال.

ولن يفتر خيال التجربة باستقرارها في الأعالي الخضر، بل خُطط لها كي تواجه محكمة الطيور في أعلى الشجرة. تزقزق التجربة مع عصافير الفجر وتنوح ليلاً مع غيلان الحقول، حتى يحين وقت الامتحان. ستمثل التجربة أمام عنقاء الطيور لتجيب على مسائل الكرنفال الموجهة من ثلاثين طيراً. لم تكن استعراضات الماضي سوى مقدمات للامتحان العسير الذي ستخوضه التجربة في بداية هبوطها البلاد التي استدعتها للمثول أمام طيورها.

ستواجه التجربة هذه الأسئلة: (1) إلى مَن تؤول مفاهيم العشق والكرم والوفاء والتضحية وبقية المفاهيم الجوانية في تجليات المرآة الأممية الخادعة؟ (2) ما حقيقة الشكل الناتج عن اتحاد الشمس والظل على الخط الوهمي الفاصل بين الجغرافيات الربانية والفيدراليات الأرضية؟ (3) ما الفرق بين الميناكوليا وألمانوكوليا، ذلك الفرق الدقيق أو الفصام غير الملحوظ بين الأخلاق والسياسة؟ (4) كيف تنظم التجربة مسألة تداول السلطة بين الشعب والنخبة، وبأي اتجاه تدير عتلة الحكم بينهما، أإلى الأسفل أم إلى الأعلى، أإلى اليمين أم إلى الشمال، أإلى القمة أم إلى الهاوية؟

أسئلة إجبارية وغيرها اختيارية عن: الحرب والسلام، الجريمة والعقاب، الجنسيات المزدوجة والهويات العابرة والثقافات المهجنة، حقوق المرأة وسياسات الرحم (الإجهاض، تحديد النسل، الحضانة، تبني الأطفال، التلقيح الاصطناعي والاستنسال)، حكومات المدن، المتاحف، الأهوار، البيئة..

تجيب التجربة بين هزو الشهود وغطيطهم ونخيرهم وصياحهم، وبين جواب وجواب رمشة عين، لحظة إظلام وقطع صوت، حدّ فأس والتماع صورة في حدقة طير، تدلي حبل وخفق جناح (صور التجارب الماضية تتناوب من دون لبث أو اصطبار).تهرم التجربة ويتساقط ريشها، وتعصف الرياح فتبدد الأسئلة والأجوبة، كأنما لا جناح خَطَف ولا وحي نزل، ولا جسد تدلى من غصن، ولا روح ناحت على طلل. قبضة ريش وهزّة خَبَل. (وبك أستعين يا أكثم !).

mkhudayyir@yahoo.com