شكلت مسرحية «اتفضل احكي» التي قدمتها مؤخرا فرقة «مسرح اليوم» في صالة نقابات العمال بدمشق لمدة ثلاثة أيام، مفاجأة الموسم بالنسبة للجمهور السوري، فالمسرحية التي أعلنت عن ولادة فرقة جديدة من فرق القطاع الخاص وتضم مجموعة من الهواة المغمورين استطاعت أن تطرح جملة من الموضوعات الإشكالية تجاوزت بجرأتها غير المعهودة كل التابلوهات الاجتماعية، وفي إطار فني فاق التوقعات، وقد تم عرضها خلال مهرجان أيام عمان المسرحية قبل عرضها في وطنه الأم.

وعلى الرغم من جرأة الطرح لم يختبئ كاتب ومخرج العرض أحمد كنعان خلف التاريخ، بل استمد تفاصيل نصه مباشرة من الحياة في أحلك المناطق وأكثرها صدامية، وصبّ اهتمامه على بنية الشخوص والأحداث النفسية لا الخارجية، وأمسك بالشخصيات في لحظة انقلابية حاسمة من سيرتها، وجعلها تنطق باللهجة العامية، وجعلها بلا أسماء كي تعبّر عن مطلق الرجل ومطلق المرأة في المجتمع الذكوري.

وفي إطار المسرح الفقير أخرج تفاصيل عرضه، في فضاء تنيره البؤر الضوئية الساقطة مباشرة على الممثلين، دون ديكورات أو أغراض مسرحية عدا كرسيين وطاولة، معولا بذلك بشكل أساسي على أداء الممثلة وعد أبو زيد والممثل زرادشت.

وإذا كانت شخصية الرجل في العرض وحيدة الجانب، مبنية أصلا كي تشكّل مفتاح الحدث النفسي ومحفّز التداعيات وموقع الإدانة لدى الطرف المقابل، وأداة لكسر روتين السرد من حين لآخر، وهي بذلك لم تُظهر كافة إمكانات الممثل، فإن شخصية المرأة شخصية مركبة ومتحولة باستمرار، وتحولاتها الداخلية هي مصدر تصعيد الحدث وتطوره.

وهي شخصية تتطلب إمكانات حقيقة لتجسيدها وتصوير عوالمها المتحولة، ومع أن وعد أبو زيد تخوض تجربتها الأولى على خشبة المسرح، فقد استطاعت أن تمسك بمفردات الشخصية بشكل لافت، وتديرها بديناميكية مقنعة، وتُخرج من أعماقها المتمردة في لحظة ما شخصية نقيضة تماما لها.

فعلى وقع التداعيات انفعلت وعد وهدأت، ضحكت وبكت، رقصت وتعرّت، تقمصت دور الجارية، الزوجة المطيعة، العاشقة الخائبة، والمرأة التي تسعى إلى الانتقام من التسلط بالتسلط، ثم فضّلت في نهاية المطاف أن تنسحب وتنجو بنفسها وجنينها من هذه الدائرة المغلقة على التسلط والعنف والترهيب لأنها لا تصنع بشرا أسوياء.

دمشق ـ تهامة الجندي