استمر انبعاث الصوت الواهن المتهدج النبرات، كأنه يعاني من صعوبة في النطق.

حدث الكولونيل (كراشو) نفسه بنوع من الثقة والتوتر:

- الرجل مريض دون شك.

ثم تذكر الكولونيل نفسه عندما كان شابا، وهو يصعد جبال هيمالايا. كان يضطر بعد كل خطوة يصعدها على الجبل، إلى استنشاق الهواء بشدة عدة مرات، كي يحصل على أوكسجين يكفيه.

ثم أرسل نظره عجولة إلى المنصة التي يقف وراءها الخطيب.

كانت قاعة الموسيقى بمركز المنتجع، التي يحتشد بها المستمعون أنيقة. ومع ذلك راح يقارن بين صعوبة تسلق جبال هيمالايا، وبين ما يحتاجه هذا الحشد من الناس إلى الأوكسجين.

وهذا الخطيب الذي يجتذب الهواء قسرا. وقال لنفسه، ما اشد الشبه!. ليس على هذا الخطيب أن يأتي في هذا اليوم البارد الرطب . ثم سكب قليلا من الماء وقدمه إلى المحاضر.

كانت القاعة رديئة التدفئة، وقد تسرب إلى داخلها هباب شتوي أصفر، من صدوع في زجاج نوافذها.

لقد بدا أن المحاضر فقد كل صلة له بالحضور. وألقى الكولونيل نظرة عجلى. فأدرك أن النظارة كانوا يتحلقون بعشوائية غريبة في القاعة.. أما العجائز منهم فقد عبروا بقسوة عما كان يعتمل في صدورهم من ضيق وملل. مع أن جماعة من الضباط المتقاعدين قد تصنعوا الاهتمام بما كان يقول المحاضر.

كان الكولونيل (كراشو) باعتباره رئيسا للجمعية الروحانية المحلية، قد تلقى قبيل أسبوع خطابا من المحاضر.. كتب بخط أرعشه المرض أو الهرم، يطالب بعقد اجتماع عاجل للجمعية. وكان من ضمن ما أدرج في سياق حيثيات ومسوغات الطلب: (شرح وصفي لتجربه خارقة للعادة يتحتم عرضها)، ولم يبين صاحب الطلب طبيعة تلك التجربة.

ولم يكن الكولونيل (كراشو) يسارع في الرد، لو لم يكن الخطاب قد ذيل بتوقيع من فيليب ويفر الرائد المتقاعد في الجيش الهولندي.. وقبول طلبه كان أقل ما يمكن عمله حيال زميل في المهنة. وعاد إلى التفكير في الفرضيات ثانية: الرجل أرعش الخط، فهو مريض أو هرم دون ريب. وتأكد أخيرا من صحة الافتراض، حينما جمعهما لقاء المنصة تلك الليلة.

لم يتجاوز الرائد (ويفر) الستين من عمره، لكنه بدا طويلا نحيفا، شديد السمرة. له أنف قبيح وعينان امتلأتا بتعبير السخرية والازدراء. حدث كراشو نفسه: انه من النادرين الذين لا يستعصي عليهم شيء!

غير أن أكثر ما أثار نقمة (كراشو) واستياءه، هو العطر الذي كان يفوح من المنديل المتدلي من جيب المحاضر. كان عبيره قويا متأججا كحديقة زنابق. وأشرعت السيدات أنوفهن. بينما استأذن اللواء (ليدبينز) في إشعال لفافة تبغ!

يبدو جليا أن (ويفر) قد استوعب ذلك، إذا ابتسم بقليل من الشفقة والاستفزاز، قبل أن يقول في بطء شديد: أتمانع بألا تدخن؟ إنني أعاني من اضطرابات حلقية!

تمتم (كراشو) بضع كلمات مفادها أن الطقس مسؤول عن كثير من التهابات الحلق السائدة، وبأن (الانفلونزا) قد أضرت بالكثيرين. فرمقه الحضور بنظراتهم الساخرة المفعمة بالهجاء.

فأجابه ويفر بصوت لم يصل إلى أبعد من نصف القاعة: أما أنا فمصاب بالسرطان.

وبعد الصمت الغاضب الرهيب الذي ساد القاعة، ساد جو من حميمية جوفاء.

استهل (ويفر) كلمته دون أن ينتظر تقديم (كراشو) له. بدا مستعجلا. وأدرك أن الدقائق التي تلت ملئت بعوائق ومصاعب حاصرت خطبته من كل صوب.صوته كان حاد النبرات، يستحيل أحيانا إلى صراخ طويل جاد تمجه أذن السامع . بدأ بعبارات: التحية والثناء على أعضاء الجمعية .ثم راح يبالغ في حديثه حتى أذكى غضب المستمعين.

وقال لهم انه سعيد بمنحهم فرصة يستمعون فيها إليه، لان ما سيقوله قد يغير الرأي السائد عن القيم النسبية للروح والمادة.

- شيء غريب - ياله من غموض! فكر (كراشو).

وشرع صوت (ويفر) ذو النبرات الحادة .يعلن أن الروح أقوى بكثير مما تعتقدون. وأن النشاط الفيزيولوجي للقلب والمخ والأعصاب هو عامل مساعد لها. الروح أقوى كثيرا مما تتصورون،إنها خالدة..! قال لهم ذلك بوقار جاد. غير أنهم تململوا في مقاعدهم بضجر ونفاد صبر.

ولم يلبث التعب أن غشي صوته، فبدا خافتا واهن النبرات. وربما كان سبب ذلك شعوره بانقطاع كل صلة بينه والجمهور.

فامتشقت امرأة عجوز في آخر القاعة سنارة الحياكة وشرعت تعمل في كرة الصوف، ثم انهمكت في حياكة قطعة ما. وكلما انكسب النور على (صناريتها) ارتد أشباحا راعشة متراقصة على جدران القاعة، تماما كروح فولاذية مشعة!.

واختفى كل أثر للسخرية من ملامح (ويفر) لوهلة، فبدا بؤبؤا عينيه كما لو أنهما قد استحالا قطعتين زجاجيتين جوفاوين .

ما سأقوله لكم غاية في الأهمية صاح ويفر المحاضر: سأروي لكم هذه القصة. فاجتذب وعده انتباههم برهة. غير أن استقرار سنارة الحياكة في يد العجوز دون حراك، لم يهدئ من اضطراب أعصابه، فما كان منه إلا أن سخر منهم جميعا: آيات وعجائب. ردد في غموض .

بدأ صوته بالاضمحلال وفقد السياق المنطقي للحديث، وعلى الرغم من ذلك فقد اندهش (كراشو) من مقدرة المحاضر على الجمع بين المتناقضات ببراعة وذكاء.

كان حديث (ويفر) كتمتمات شيخ يحول مجرى الكلام تارة وأخرى، دون أن يتخذ نسقا محددا، مكتفيا بالاتكاء على قاعدة معينة من اللاوعي.

وراح ويفر يؤكد للحضور ثانية أن الروح خالدة لا تزول الجسد وانها تستقر في البرزخ.

عندئذ وصلت الى كراشو ملاحظة من الدكتور (براون) وهو رجل قصير تبدو عليه سمات النباهة، يجلس في الصف الثالث. فأما الملاحظة الخطية فتقول: أليس بإمكانك إيقافه؟. جلي أن الرجل مريض جدا.. ثم.. أي فائدة تجنى من حديثه؟.

تابع ويفر لافظا أنفاسا متعبة لاهثة :الدليل الحاسم!.

ووضع(كراشو) ساعته على المنضدة. لكن (ويفر) لم يأبه بذلك. كان يسند جسده متكئا بيده على حافة المنضدة .

- سأقدم لكم - قال بصعوبة متناهية - الدليل الحاسم.. انتهى صوته إلى سكون تام. كتوقف الإبرة في نهاية الاسطوانة. غير أن الهدوء لم يدم طويلا،إذا انبعث فجأة من ذلك الوجه الذي تجمدت ملامحه حتى خلا من كل تعبير، ثم أطلق صوتا كمواء حاد . فاستقطب اهتمام الحاضرين بكلماته الغريبة المتناحرة. فيما كانت أصابعه تنقر على المنضدة. ذلك المزيج الصوتي الرهيب أعاد الى الذاكرة جلسات استحضار الأرواح.. وقرع الطبول في كبد الليل.

وجلس (ويفر) في كرسيه ثم ألقى برأسه إلى الخلف فجأة دون حراك. وشرعت عجوز في الصياح بعصبية، فيما شق الدكتور (براون) طريقه إليه بصعوبة وانحنى على المحاضر ليعرف ما ألم به . ورأى (كراشو) يد الطبيب المرتعشة وهي تمتد إلى جيب (ويفر) لتخرج منديله فتقذف به بعيدا، قبل أن تسلل إلى أنفه رائحة غير سارة، وهمس الطبيب : أصرف الجميع .. انه ميت.

كان يتحدث في حزن و كآبة يندر أن يستشعرها طبيب اعتادت عيناه رؤية شتى أنواع الموت.

وقبل أن ينفذ (كراشو) ما طلب منه، ألقى نظرة على الجسد الميت فهاله ما رأى !. لقد عرف من الموت أشكالا شتى .رأى أناسا ماتوا انتحار، وآخرين قضوا نحبهم في ساحة الوغى. إلا أنه لم ير شيئا كهذا . كان كجسد انتشل من البحر بعد وفاته بأمد بعيد . أما لحم الوجه فكان على وشك أن يهوي مزقا كما تهوي ثمرة جاوزت النضج منذ أمد بعيد . ولذا لم يستغرب كثيرا حينما همس الطبيب في ذهول :يبدو أن الرجل قد مات منذ أسبوع!

أما ما ظل يحتل الساحة الأكبر من تفكير (كراشو)، فهو إصرار (ويفر) على ترديد عبارة (الدليل الحاسم).

لقد كان يحاول إثبات حقيقة مؤداها أن الروح تخلد بعد فناء الجسد. فهل استطاع ذلك؟!.

غراهام غرين

ترجمة: د. رشا الجديدي