في ظل المستجدات التي تشهدها وسائل الاتصال وثورة المعلومات والفقرات الهائلة، التي فرضتها عولمة القطب الواحد والتي حولت العالم إلى قرية صغيرة، تتبادر عدة أسئلة عن عمليات الاستشراق، التي شهدت عصوراً من الازدهار عنيت فيه تحية من مفكري الغرب بالدراسات الدينية والحضارية لبلادنا الإسلامية وهي ما هو دور المستشرقين الآن في ظل العولمة وما هو واقعة الآن ودوافعه؟ ومستقبله؟ وهل من الممكن أن يسقط علماء الغرب دول العالم الثالث من اهتماماتهم؟.
بداية يعرف د. مصطفي الشكعة الاستشراف بأنه قيام علماء ومفكرين من الغرب بدراسة علوم وثقافات وحضارات دول الشرق والتوغل فيها بما يسمح بغلق نوع من التواصل الفكري واكتشاف مجاهل هذه الدول وسير أغوارها وخاصة في المجال الديني، وقد استطاع عدد من علماء الغرب دراسة علوم الدين الإسلامي بتعميق شديد.
بل وضع بعضهم ترجمة لمعاني القرآن الكريم، مثل: المستشرق الهولندي د. فريد ريك ليمهاوس «كما استطاع البعض الآخر أن يروج للضلالات، التي شابت الفكر الإسلامي في عصور ماضية ويتخذها ذريعة للهجوم على الإسلام، ومن هؤلاء المستشرق الإيطالي «غابرييللي».
وقال د. الشكعة إن بداية الاستشراق الحقيقية كانت منذ قرون كثيرة سابقة للقرن الثامن عشر، فقد أرسي الاستشراق قواعده منذ العصور الإسلامية المبكرة، وأنه بدأ في أوروبا نفسها، في العصور الإسلامية، حيثما كان العرب المسلمون يحكمون أرجاء كثيرة في شبه جزيرة أيببريا «بلاد الأندلس «وفرنسا وإيطاليا وصقلية وجزر البحر المتوسط.
ولقد تغيرت صور الاستشراق في تاريخنا المعاصر عما كانت عليه في مطلع القرن العشرين، نتيجة تغير الأوضاع السياسية في الشرق العربي، فأصبح الاستشراق في السنوات الأخيرة يعيش في دائرة محدودة ضيقة بعد السيول الجارفة من أبحاث المستشرقين، التي شاهدناها في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، ولذا فإننا نقول إن مستقبل الاستشراق محدود وإن مجالاته تنكمش، وقد أصبحت كفة الباحثين العرب هي الراجحة الآن، وأصبح العرب في غير حاجة إلى «فكر مستورد». ادعاءات باطلة.
ويرى د. يوسف عيد الأستاذ بقسم الدراسات الإسلامية بجامعة الأزهر أن الاستشراق له تأثيراته القوية في الفكر الإسلامي الحديث وكل إدعاءات المستشرقين مردها إما إلى الجهل بحقائق الإسلام وإما الإدعاءات الكاذبة، فالإسلام هو الذي دعا إلى العمل والأخذ بالأسباب والمشي في مناكب الأرض.
أما د. سمية عفيفي أستاذ اللغة الروسية بجامعة عين شمس، والتي قامت بترجمة معاني القرآن الكريم إلى اللغة الروسية فتقول: عندما حصلت على الدكتوراه في اللغة الروسية منذ عام 1964 كان الاتجاه إلى ترجمة معاني القرآن الكريم نصب عيني وكنت أول فتاة مصرية متخصصة في دراسة وتعليم اللغة الروسية في مصر والشرق الأوسط وإفريقيا.
وكنت أشعر أن ترجمة معاني القرآن الكريم إلى الروسية مسؤولية كبيرة أمام الله، خاصة وأن الفترة الماضية ومنذ 70 عاماً مضت قبل انهيار الاتحاد السوفييتي كان الاهتمام بالأديان غائباً والمفردات الدينية قليلة جداً في المعاجم.
ويرى المفكر الإسلامي د. محمد إبراهيم الفيومي أن الاستعمار الغربي قد كشف عن وجهه القبيح أظهر عداءه للإسلام كدين سماوي ونظام اجتماعي وأخلاقي، على الرغم من اعتماد الغرب على الثقافة الإسلامية في عصر النهضة، باعتبارها ركناً أساسياً من أركان نهضته الثقافية.
وأن الغرب تعرف على منجزات الحضارات القديمة، خاصة اليونانية والرومانية من خلال الحضارة الإسلامية، ومع ذلك عمل المستشرقون على تكريس تلك العلاقة العدائية وصوروا الإسلام على أنه دين رجعي وهو ذلك براء.
وكشف د. «الفيومي «النقاب عن أن الاستشراق يبحث الآن عن دور يمكن أن يلعبه في دول العالم الثالث والتي تقف من الغرب موقف التحدي، ولم يعد أمام المستشرقين إلا أن يسلكوا أحد طريقين: إما أن يستمروا في بحوثهم ودراساتهم مثلما كانوا يفعلون من قبل في موضوعات التاريخ واللاهوت والجغرافيا والعلوم والفنون في الشرق وأن يعدلوا أساليبهم القديمة.
بحيث تتلاءم مع الأوضاع الجديدة، وكلا الموقفين صعب، خاصة ان كثيراً من المستشرقين يعترفون بأن الشرق قد تغير أو يمكن أن يتغير. وأشار إلى أن هناك طريقاً ثالثاً وهو أن يسقط علماء الغرب دول الشرق ودراساته من اهتمامهم، وأن يقوموا بطي سجل الاستشراق للأبد ولعل ذلك هو الحل الوحيد.
ويدعو د. «الفيومي» إلى التوصل إلى حلول مشتركة لمشكلات التخلف والتنمية، ومعالجة ما خلفه الاستشراق الاستعماري، والنظر من جديد إلى الإسهامات الفعالة للشرق من خلال إيجاد ساحة مشتركة من المفاهيم الفكرية المتفق عليها بين المتحاورين في مجالات الإسلام الواسعة، وهي المذهبية والسياسية والاجتماعية، والاقتصادية.
وعلى الغرب أن ينظروا من جديد إلى حقيقة الإسلام وأن تتوقف مكونات الرأي العام الغربي ـ «وسائل الإعلام» ـ عن نشر الصور المشوهة للإسلام والمسلمين، والحد من النظرة العرقية التي تقلل من شأن المسلمين خاصة المهاجرين منهم.
وأشار إلى أن الدول الكبرى أدركت إبان الحرب الباردة أن مفاتيح العالم موجودة في القارة الإسلامية،خاصة في الشرق الأوسط وأن من يستطي نشر نفوذه في هذه المنطقة، فيصبح قادراً على إخضاع كل الكتلة القارية في العالم القديم لإدارته، ومن هنا بدأ الغرب يدرس الشرق بما يتيح له من وسائل فرض سياسته حتي تمكن من استعماره.
