تعرض فرقنا المسرحية أو بعض الفرق العربية عروضاً نضعها تحت مسمى المسرحية الشعبية، وحينما نشاهدها تصفع وجوهنا، حتى لا نعترض على التسمية شكلاً ومضموناً، وفي المحصلة لن تكون معظم تلك العروض سوى مشاهد تمثيلية، وما تبقى لا يمكن تصنيفه حتى لا يجرح بعض الزملاء، والواقع أن المسرحية الشعبية فن جميل وأصيل وله علاقة بجماهير المسرح، ولعلنا لا نبالغ إذ نقول ان أساس العمل المسرحي هو ارتباطه بجمهوره وبمتلقيه، وبالتالي فالمسرحية الشعبية قد تكون أساس العلاقة بين طرفي المعادلة.

إن العديد من المسرحيين يعتبرون لهجة المسرحية هي أساس تصنيفها، غير أن اللهجة أو اللغة وسيلة توصيل أكثر مما هي صفة وموصوف، ان لغة المسرح تحتاج فعلاً إلى جمهور مسرح يتفاعل معها لتشكيل حركة ناضجة ومتطورة وقادرة على التأثير والفعل.

إن المسرحية الشعبية ضرورة يحتمها الواقع المسرحي في حياتنا اليومية بغض النظر عن لهجتها أو لغتها، إنما عن مدى ارتباطها بواقع الحياة اليومية ومعالجاتها وإسقاطاتها يما يضمن تلك العلاقة الجدلية بين الواقع اليومي وفكر المسرحية ومضمونها وشكلها وشخوصها وأحداثها وطبيعة علاقاتها المتعددة داخل الإطار المسرحي.

وقد اشتهر في مسرح الستينات عدد من كتاب المسرحية الشعبية التي أكدت حضورها في تلك الفترة المزدهرة من تاريخنا المسرحي وأحدثوا نقلة نوعية لا على مستوى الكتابة إنما على مستوى العرض أيضاً بكل ما فيه من أدوات ووسائل، وعلى المستويين الفكري والشكلي، وأصبحت تلك التجارب مرجعاً للمسرحيات الشعبية التي يمكن أن تكون نموذجاً.

وهنا لا بد أن نذكر نعمان عاشور في مصر ومسرحياته التي شكلت قاعدة عريضة في مواسم الستينات، ودليلاً للمسرحية الشعبية العربية في مصر، وكان قد قدم لنا جملة من مسرحيات ما زلنا نذكر عروضها ونصوصها منها: (المغماطيس، الناس اللي تحت، الناس اللي فوق، سيما أونطة، جنس الحريم).

ونذكر أيضاً فارسا آخر، (رشاد رشدي) ومسرحيته المشهورة اتفرج يا سلام إلى جانب سعد الدين وهبة الذي قدم عدة نصوص شعبية نذكر منها على سبيل المثال (كفر بطيخ، سكة السلامة، الوزير شال الثلاجة، الرئيس يهدد المدينة... الخ)، إضافة إلى علي سالم وغيرهم.

والواقع أن في مصر أكثر من كاتب مسرحي قدم لنا مسرحيات شعبية كانت في غاية الجمال والإبداع، شكلت قاعدة أساسية لانطلاقة مسرح الستينات المزدهر في الوطن العربي.

أما في بقية الوطن العربي، فإن العديد من الكتاب شاركوا في كتابة المسرحية الشعبية منهم الكويتي عبدالعزيز السريع.

أما في العراق فحركة المسرحية الشعبية كانت رائدة في الفترة نفسها أيضاً، إلى جانب المناهج الطليعية الأخرى التي عرفها المسرح العراقي، يوسف العاني ترك لنا العديد من مسرحياته الشعبية التي امتازت ببناء درامي على مستوى عال من التقنية الفنية، وبذلك استطاع أن يجمع ما عجز الآخرون من جمعه في فكر نير منفتح وكوميديا ساخرة، ومنهجية متطورة، ومنظور وافق واسعين إلى جانب أشكال ومضامين المسرح الشعبي، ومنذ بداياته كان يعلن عن منهجه النقدي الساخر لمظاهر المجتمع التي كانت متفشية في تلك السنوات، قد لفت أنظار المتلقين ابتداءً من مسرحيته الأولى «رأس الشليلة»، ثم تؤمر بيك، ثم ماكو شغل، أني أمك يا شاكر، ثم حبة حرمل، المفتاح، الشريعة وعدد آخر من مسرحيات شكلت ذاكرة وتاريخ المسرح العراقي.

إننا الآن بحاجة إلى المسرحية الشعبية بلا شك، لكن كيف يمكننا أن نقدمها، لا بد من وضع أسئلتنا لنصل إلى ما نريد من هدف ومنها:

ـ ما هي ابعاد تشكيلها وطبيعة خطابها؟

ـ ما هي الأساليب التي يمكن أن تحمل المسرحية الشعبية على جناحيها للوصول إلى المتلقي.

ـ ماذا يمكن أن نقدم في مضامين هذه المسرحية.

ـ ما الجديد في الشكل وفلسفة العرض.

أسئلة كثيرة ينبغي أن نضعها أمامنا ونحن نعمل على تقديم مسرح شعبي يتناسب ومشاكل الحياة المعاصرة، وصراعاتها، ويلبي حاجات المتلقي، ويتناسب مع تطوره الفكري وتطور التقنيات الحديثة والعالم الجديد.

abdulelah_q@hotmail.com