عندما يتحرر الحنين من قيود سماجته واتكاليته، وعندما يتحول إلى طاقة خلاقة لبناء الذاكرة، يصبح المستقبل أقل وطأة وأكثر وضوحاً.من هو الفلسطيني داخل أسوار الحنين؟ من هو الفلسطيني بلا قلاع الذاكرة؟ لعلها أسئلة قد تكشف أجوبتها عن بعض ظلال طبيعة هذه الشخصية الإشكالية، شخصية الفلسطيني بين أروقة الهزائم المتكررة، وسر اتكائها على الماضي.
في وصف هذه الشخصية تصادرنا ثنائيتها، تناقضها، باستثناء علاقتها بالماضي فهي إما أسيرة الحنين، أو رهينة الذاكرة.
لم يكن محمود أبو حامد بعيداً عن تلك الشخصية الإشكالية، بل تربع على عرشها، إن شئتم، عندما اختار مخيم الرمل الفلسطيني ببحره وشاطئه وشوارعه ومحاله ومقهاه وأزقته، التي مازلت أذكر نظافتها الزائلة، مسرحاً لقصصه. تلك النظافة انطبعت في مخيلتي أنا الطفل الزائر للمخيم والقادم من تجمع صغير للفلسطينيين في دمشق لم يرتق ليستحق وصف المخيم. تلك الصورة انهارت تماماً عندما زرت المخيم بعد غياب طويل... وفجأة، وفي دبي، استُعيدت الصورة.
في ظل هذه الجغرافية، جغرافية مخيم الرمل الفلسطيني في اللاذقية، لم يكن باستطاعة محمود أبو حامد الهروب من سلطة شخصيات فلسطينية نموذجية تركت ظلها ينطبع وإلى الأبد، جنباً إلى جنب مع صور الشهداء وقادة التنظيمات على جدران كل مخيم أو تجمع فلسطيني.
من أبو ليلى عاشق العرق المؤمن وصاحب الظل الخفيف وبارومتر مزاج المخيم، إلى محجوب الأعرج الفدائي ابن الأرملة الجميلة التي رفضت الزواج بعد موت زوجها، مروراً بالحاج إسماعيل الطنبرجي وجميلة وأم خضر، الحاضرة الغائبة، وموظفي الوكالة والإعاشة، نرى الطيف الفلسطيني بكل ألقه وبشاعته، بسموه ودناءته، بتضحياته وأنانيته يطفو تارة ويسمو محلقاً فوق الورد، وتارة أخرى يغوص ويغرق في حضيض بحر الشقائق.
يبدو للوهلة الأولى أن ما يجري في هذه المجموعة القصصية لا يتعدى كونه تصويراً فوتوغرافياً للواقع الفلسطيني بكل بساطته وفجاجته، أو اجتزاءً لمكان ثم لصقه على صفحات كتاب، وانتقاءً لمجموعة من الكاراكترات النمطية وتعْشيقها بين الحروف لتترك وهم الحياة على صور ومشاهد وشخصيات بقيت في عداد الحنين.
يذهلنا هذا الجهد الذي يبدو عبثياً بالنسبة لنا ويستفزنا لأننا عندما نتلفت حولنا نجد أنفسنا وسط مخيم الرمل الفلسطيني ذاته، ونتساءل ما الحاجة لهذا التصوير الفوتوغرافي للواقع؟!! ولكن مع نهاية القصة الأولى وبداية الثانية تبدأ الشكوك بالتلاشي، ويتخذ الوضوح شكل اليقين، يرافق ذلك اكتشاف بسيط: كلا، لم تكن تلك الأزقة ولا تلك البيوت ولا الشخصيات ولا حتى الشاطئ بكل سطوته، بيوت وأزقة وشاطئ مخيم الرمل.
ما قرأناه وشاهدناه لم يكن سوى ظلال تلك الأمكنة والشخصيات التي انطبعت وإلى الأبد على جدران المخيم وفعلت فعلها في قلب وذاكرة أحدهم، لتخرج علينا في النهاية كما أرادت لها مخيلة هذا الـ «أحدهم» أن تكون، لتخرج علينا في عالم يملك نسخته الأصلية ولكن لا يعترف بها، أو لا يريد أن يعترف بها.
ويسقط هذا الاستفزاز ويختفي عندما نكتشف أن تلك المخيلة اشتغلت على تفاصيل صغيرة ودقيقة تحتاج عين مدربة لتقرأها، وأذن مرهفة لتسمعها، وأهمل الكاتب قصداً الخطوط العريضة ليوقع بنا في وهم الواقع.
لغة فقيرة- عميقة، وعامية - بليغة تنساب لتحاصر الموضوع، فلا يئن تحت وطأة الفصحى، ولا يستطيع التذمر من بذاءة العامية ولا من غرابة اللفظ الفلسطيني ولا من علو نبرته وفضائحيته، فلا مكان للهمس في الواقع الفلسطيني، لا يحمل الفلسطيني سراً يخاف منه أو من انكشافه، فنكبته ونكسته و(خروجه) وحلم عودته فوق كل الفضائح. من لا وطن له لا سر له.
في الرباعية الأخيرة يتحرر أبو حامد من فلسطينيته ويخرج خلسة خارج حدود المخيم، فتلتبس الأمور. ويظهر الخفوشة ورشيدة الخطابة وكل عوانس القبو- شخصيات لا تنتمي لعوالم المخيم ولا يربطها بالفلسطينيّ سوى خيط رفيع جداً، لكن اللاوعي يصر على إدراجها تحت خانة الفلسطيني!
هذا الإلتباس الغريب الذي خلقه الكاتب، والإصرار العجيب لللاوعي ليس إلا تأكيداً إضافياً على أن جميع تلك الشخصيات تملك بعداً إنسانياً عاماً، على الرغم من أنها تعيش وتتنفس في وسط فلسطيني/محلي بامتياز.
لقد استطاع محمود أبو حامد بسلاسة لغته، ومن خلال عنصر التداعي الذي كان أحد السمات المميزة للغته أن ينقلنا، وحسب مزاجه، إلى العالم الذي يرغب به هو، واستطاع من خلال إعادة رسمه لجغرافيا المكان أن ينقلنا من عالم إلى عالم، ومن بيت إلى بيت، كان يرسم لنا الطريق الذي يجب أن نسير به في شوارع المخيم، وكأني به يريد أن يقول لنا: أعرف، أعرف أنكم تحفظون كل أزقة وزواريب المخيم عن ظهر حنين، وأعرف أنكم ترتلون خفية كل أغاني البحر، بحر مخيم الرمل وبحر إجزم والطيرة والطنطورة.