عرفت الرواية العربية منذ أن أصبحت فناً أدبياً له شروطه الفنية أسماء بنجومية عباس العقاد وطه حسين ونجيب محفوظ وأنيس منصور وإحسان عبدالقدوس وغيرهم من الأسماء الرجالية الكثير في مختلف الدول العربية في الوقت الذي اختفت فيه الأسماء النسائية إلى الحد الذي يمكن القول إن:

فن الرواية العربية وكتابتها كان فنا ذكريّاً في ظل إسهامات ظلت نادرة وغير ملموسة من جانب المرأة إلى أن شهدت السنوات الأخيرة حراكاً نسائياً واسعاً في عالم كتابة الرواية وأصبح هناك أدب نسائي راق في مجال الرواية.. فكيف دخلت المرأة العربية المجال ونافست فيه بقوة؟

هذا ما سوف نتعرف عليه من سطور هذا التحقيق.

تؤكد الروائية سلوى بكر أن الكتابة النسائية الآن وخصوصاً الكتابة الروائية قادرة علي أن تستشرف أفقاً واسعاً يتيح للمرأة التعبير عن ذاتها وعن وجودها في المجتمع العربي، الذي فرض عليها وصاية في مجال التعبير الأدبي في عهود ماضية والذي كاد الرجل أن يستأثر به، والروايات الصادرة لنساء عديدات في مصر وفي الوطن العربي خلال السنوات الأخيرة لتؤكد مقولة:

إن الكاتبة العربية تعيش زمن الرواية، وأعتقد أن السبب الرئيسي الذي يفسر هذه الزيادة الكبيرة والمطردة في الإبداعات الروائية لكاتبات عربيات على مستوى الكم والكيف هو أن المرأة أبدعت حينما توافر لها المناخ المناسب والملائم، وعندما توافرت لها الشروط خاضت تجربة الكتابة لحسابها حاملة معها خصوصيتها الاجتماعية والعاطفية والفيزيقية.

وهكذا فبعد أن مارست المرأة العربية أشكالاً مختلفة للكتابة مقترنة بتجربة النضال في سبيل حقوقها ارتادت مغامرة الكتابة الأدبية بكل صعوباتها من أجل استنطاق الذات، الذي ظلت أمداً طويلاً مستبعدة وممنوعة واستطاعت إعادة النظر في أشياء كثيرة كانت من المحرمات، ومن المسكوت عنها.

تعدد الاتجاهات

أما الكاتبة والناقدة اعتدال عثمان فتقول: في السنوات الأخيرة شهدت تراكماً في الإبداعات الروائية النسائية وهي تثري المشهد الأدبي الراهن، وأعتقد أن الأدب الروائي، الذي تكتبه المرأة هو أدب متعدد الاتجاهات ويمكن رصده من عدة أوجه، فهناك أعمال روائية محورها النزعة النسوية التي ترمي إلى نقد التراث الذي يهمش المرأة لهذه الكتابة تمثل رد الفعل الطبيعي الذي يجسد الوعي النسوي بصورة إيجابية وتتميز في نماذجها الجيدة بجسارة تناولها للتابلوهات الاجتماعية والأدبية المستقرة.

وتضيف: أن هناك أعمالاً روائية تربط التجربة الحياتية للمرأة بما هو عام على مستوى الواقع المعيشي بقضاياه وهمومه وأزماته بما يظهر في لحظية الزمن وتشظي الذات وتجزئة الحدث الروائي، وأيضاً تعمد بعض الكاتبات إلى استخدام صيغ سريعة مستمدة من التراث الشعبي وطرق الحكي الشفاهي، مما يجعل الخطاب الروائي ساحة لتفاعل صيغ لغوية جديدة.

بالإضافة إلى أن هناك نصوصاً تعمد إلى تعدد وتنوع وجهات النظر، مما يشير إلى موقف له بعده السياسي والاجتماعي، وهو ما يتيح تقدم منظور الشخصية النسائية بوصفها كياناً إنسانياً نظيراً للرجل ومثيلاً له، وأخيراً هناك نصوص تعتمد على تجسيد تجربة المرأة المتعلقة بكيانها العقلي والحسي والنفسي، وهذا التنوع الخلاق كان له دوره في إثراء المشهد الروائي بعامة وفي تأكيد الحضور النسائي فيه بخاصة.

وتفرق الكاتبة نعمات البحيري بين الكتابة النسائية والكتابة النسوية، فالكتابة النسائية هي كل ما تكتبه المرأة، بينما الكتابة النسوية هي التي تعي وتتبني قضية المرأة في العالم العربي، وقد يكون أصحاب هذه الكتابة من الرجال ورواية المرأة تنتمي إلي الكتابة النسائية .

وهي لم تقتصر على الموضوعات المتعلقة بقضايا المرأة بل اتسعت لمعالجة كل قضايا الوطن، وهي تميز بين تيارات في رواية المرأة، فما تكتبه مثلاً: «رضوى عاشور وهالة البدري وسلوى بكر»، غير ما تكتبه نوال السعداوي. بينما كاتبات جيل الثمانينينات وجيل التسعينات يكتبن رواية مختلفة عن هذين التيارين وإن كانت كتابتهن لا تتخذ شكلاً واحداً أو نمطاً واحداً.

بينما ترى الكاتبة مي التلمساني أن مثل هذه القضايا قضايا مفتعلة، فخصوصية الرواية لا تتأتى من جنس كاتبها بل من خصوصية التجربة، التي تتناولها الرواية فقد كتبت روايتها «دنيا زاد» عن أم تموت طفلتها بمجرد ولادتها ،وهي تجربة خاصة جداً، وكتب «صنع الله إبراهيم» روايته «نجمة أغسطس» عن تجربة بناء السد العالي وهي أيضاً تجربة خاصة، فالخصوصية هنا لا ترجع إلى كونها أنثى وكونه رجلاً بل لخصوصية التجربة، وأخيراً فهي ترى أن رواية المرأة مزدهرة الآن لسبب واحد وهو أن الرواية عموماً مزدهرة.

ويقول الناقد د. صبري حافظ: إن المرأة حينما بدأت تكتب كانت قد استوعبت كل ما كتبه الرجل، وكانت تعرف المتن الروائي العربي، الذي كتبه الرجل بتسلطه الذكَري، وبالتالي كانت هناك محاولة منها للتعرف علي كل الثقافات المهمشة والمقموعة التي تمر بثلاث مراحل أولها، مرحلة تبني وجهة النظر الثقافية السائدة.

وإذا عدنا إلى الكتابة النسائية العربية نجدها بداية من ملك حفني ناصف وحتى مي تلمساني كلها محاولات، لإعادة إنتاج الخطاب السائد، الذي يضع المرأة في مكانة معينة، وفي دور معين، ثم تأتي المرحلة الثانية وهي مرحلة التمرد على الخطاب السائد،أما المرحلة الثالثة فهي مرحلة التميز والخصوصية والتي تقدم وجهة نظر مغايرة للواقع وهذا يظهر في بعض الكتابات النسائية مما يجعلها أكثر ثراء.

خدمة (وكالة الصحافة العربية)