حين يكون الحديث أدب المرأة في سوريا او في الوطن العربي لايمكن إغفال اسم الأديبة أنيسة عبود التي اشتغلت بأكثر من جنس ادبي كالشعر والقصة القصيرة والرواية وعبر هذا النوع في الإنتاج الأدبي استطاعت ان تحقق حضورا وتميزا واضحين تجليا من خلال المضامين التي تقدمها بالاضافة الى المعالجة الفنية والأسلوب الذي يبدو حاملا لأسلوب ربما يشير بنوع من الخصوصية الى صانعة هذا الجنس الادبي أو ذاك..

وربما تقدم ذاتها من خلال ذلك الابداع الادبي عبر المعاناة التي تجعلها تشعر بمسؤوليتها الحقيقية تجاه المجتمع والظلم الذي يلحق بها نتيجة عدم المساواة التي تلحظها فهي غير متفرغة للعمل الادبي ولذلك فهي تحاول ان تكون متميزة وتوجد لها مكانة بارزة على الخارطة الادبية بالمقارنة مع الادبيات اللواتي يتمتعن بتجربة ادبية اطول زمنيا بالقياس الى تجربتها.

والحديث مع الأديبة أنيسة عبود لا يمكن أن يخرج عن الأدب النسوي في سوريا والوطن العربي ربما لوجود الكثير من نقاط الالتقاء.. ولذلك توجهنا في البداية بالسؤال التالي:

لاشك أن هناك اختلافاً يميز الأدب النسوي عن الأدب الرجالي.. إلى أي مدى يحتاج الأدب إلى هذه التسميات والتقسيمات وهل تعتقدين أن هذا يمكن أن يخدم الحركة الأدبية بشكل أو بآخر، أم أنه بحث عن الهوية التي افتقدتها المرأة في ظل الظروف التي عانتها سابقاً والتي ما زالت تواجه مستجداتها؟

ـ التقسيمات لعبة النقاد، ربما هي إيجاد مادة للكتابة والجدل لأن الكتابة هي الكتابة وستفرض وجودها وهويتها ونظمها بمجرد تفوقها.. لقد استغرقت نقادنا كثيراً هذه التقسيمات لدرجة أنها أتعبتنا نحن الكاتبات وفي الوقت نفسه شجعتنا على التحدي والمواجهة لكل هذه القولبة والقوننة المفتعلة. هذه التقسيمات لا تؤكد الهوية. إنها تعيق توكيد الهوية، إذ تجعل معيارية الإبداع تنحرف لصالح واضعي هذه المعيارية لأن الكتابة المؤنثة والنسوية تعطي الدرجة الأدنى، وتؤكد هوية أدنى.

* ألا تعتقدين أن (اتساع زاوية النظر عند الكاتبات العربيات) نتيجة طبيعية لناموس الحياة وللتطور الحضاري الذي يجتاح العالم ومنه ذلك الجزء الذي نعيش فيه (الوطن العربي)... أي أن المسألة ليس فيها اختراع وإذا لم تكن (المرأة) على هذا النحو فسوف لن تكون (الكاتبة العربية) مواكبة لما يجري أمامها...؟

ـ إن اتساع زاوية النظر عند الكاتبات العربيات لا يقتصر على ـ كما تقول ـ الناموس الطبيعي التطوري.. هل تطور المجتمع فعلاً وبأكمله كما تقول؟ هل كل نساء الوطن العربي تطورن بنفس الدرجة كما خصوصية اختلاف القاعدة الأولى لكل منهن.. أبداً، التطور السريع الذي أصاب الكاتبة العربية والذي وضعها في الصف الإبداعي الأول جعلها تتفوق على الرجل صاحب الإرث البعيد في مضمار الكتابة لأسباب عديدة منها عملية المثاقفة مع الغرب بسبب توفر المساعدة ومنها عملية التواصل بين الكتاب العرب أنفسهم..

وهناك سبب مهم هو الظلم الواقع على المرأة منذ أمد طويل دفعها للتحدي والخروج من معطف الرجل، واهب التسميات والدرجات والعقاب والثواب خصوصاً بعد الفشل الذريع لهذا الرجل في مجالات عديدة لم نكسب منه إلا الهزائم والانكسارات العسكرية والسياسية والاجتماعية. المرأة العربية المبدعة نزعت القداسة عن المقدسات الذكورية التي قيدتها وأعاقت حريتها وإنسانيتها.. لقد وعت المرأة ذاتها ودورها وعلى هذا راحت تؤكد خصوصيتها وتبدع أدبها المتميز.

* نشهد كل عام ولادة كاتبات في مختلف الأجناس الأدبية، ولكننا نلحظ انكفاء الإبداعات الأدبية ليست النسوية فقط بل الإبداعات الرجالية أيضاً هل السبب في ذلك الظروف التي يتعرضان لها (كليهما معاً) أم أن طبيعة الحياة تجعل الاستمرار للأقوى ولصاحب الموهبة فقط؟

ـ بالتأكيد طبيعة الحياة تجعل صاحب الموهبة الأعلى هو الذي يبقى مع أن هناك فقاعات كثيرة يروّج لها المروجون ويفتوحون أمامها المغاليق ولكن سرعان ما تسقط والكل يعرف أن أسماء كثيرة ظهرت من معاطف الأحزاب ومن كواليس الرجال ـ العشاق ـ القائمين على النشر وغيره.. وأسماء تخرج من ـ السمسرة والتلفيق لكن القارئ لا يجري وراء هذه الفقاعات.. لا أحد يقدر أن يضحك على القارئ لكن انطفاء وهج الإبداع هو السبب.. السبب نحن.. نحن المتلقين.. هناك عتمة في أعماقنا، وتخريب في تذوقنا ومشاعرنا.. وهناك غضب عارم وشعور باللاجدوى.. لذلك ينزوي الأدب وينزوي الأديب لأن ما يجري يفوق كل خيال فالواقع مجنح أكثر.

* من الأقلام النسائية المهمة في سوريا: غادة السمان، كوليت خوري، ناديا خوست، وغيرهن. أين تجدين نفسك بين هذه الأسماء.. هل تسيرين معها بالتوازي في خط واحد.. أم تسبقينها.. أم.. أم أن لكل كاتبه بصمتها وخصوصيتها التي تميزها عن الأخرى؟

ـ بكل تواضع لا أجد نفسي في واحدة منهن.. جيلي بعيد عنهن، هن كاتبات الطبقة البرجوازية وأنا كاتبة المعاناة.. لي رؤية مختلفة ولي آلام مختلفة، يكفي أن أقول: إن هذه الأسماء متفرغة للكتابة بينما أتوزع أنا بين عمل المنزل والوظيفة والكتابة وأشياء كثيرة.. شبهوني أكثر من مرة بغادة السمان.. ولكن لا أجد هذا صحيحاً.. إني احترم هذه الأسماء، ونحن جيل التسعينات محظوظات لأن لنا أسلافاً مثل كوليت خوري وغادة السمان.

* هل تعتقدين أن المرأة لو تفرغت للإبداع يمكن أن تقدم قصصاً وروايات وقصائد شعرية تتفوق فيها على ذاتها وعلى الرجل؟ وألا تعتقدين أن المعاناة هي التي تخلق وتولد الإبداع؟

ـ المرأة غير الموهوبة لن تقدم أدباً يتفوق عليها ولا على الرجل سواء تفرغت أم لا ، الموهبة والمثابرة والرؤية الواعية هي التي تقدم أدباً متفوقاً.. أما بالنسبة للمعاناة فهي لا تخلق أدباً ولا تخلق موهبة.. هي تكشف عن الموهبة وتبدع أدباً مختلفاً عن أدب المخمل.. وقد تعيق المعاناة وتُلجّم الموهبة.

* لدينا كاتبات على مستوى جيد ومتطور رفدن الحركة الأدبية بإبداعات كثيرة يذكرها النقاد وهن ليس أقل شأناً عن الكاتبات العربيات اللواتي يحظين بحضور على المستويين الإعلامي والأدبي.

* هل تعتقدين أن المكان له تأثير مباشر على الانتشار بحسب الإمكانيات والظروف المتاحة لهذه البقعة من الوطن العربي دون غيرها على سبيل المثال؟

ـ أجل.. لدينا أسماء مهمة في الأدب ـ كاتبات وكتاب ـ ورأيك فيه الكثير من الصواب.. المكان له تأثيره في الانتشار فالدول النامية تعطي أسماء نامية لأن الشاعر الفرنسي يحظى بأولوية على الشاعر السوري مثلاً ونحن مولعون بالأسماء الغربية، ولو كانت هزيلة، ولكن بمجرد أن تقول هذا ناقد فرنسي أو كاتب أميركي امتدح ـ كذا ـ يحظى المبدع بالاحترام..

كما أن بعض الكُتّاب لديهم المقدرة المادية على الحركة والسفر والتواصل، وبعضهم لديه المقدرة على المراوغة وشراء النقاد وعلى اللهاث وراء الشهرة بأية وسيلة مهما تكن هذه الوسيلة، حتى لو كانت الانسلاخ من قيم ومبادئ وأشياء أخرى.. ليس كل كاتب مشهور هو كاتب متفوق على أقرانه.. عموماً.. الكتاب السوريون حظهم قليل في الشهرة.

حوار: عبدالحكيم مرزوق