شذى الوادي فنانة تشكيلية بحرينية يافعة، توظف أدواتها في أبعاد تتوغل من خلالها إلى أعماق الأرض والوجود، مستندة على فلسفة العلاقة بين الشجرة والإنسان، وهما شغلها الشاغل من أجل المحافظة على هبات الطبيعة التي أوجدها الخالق ومنحها لمخلوقاته، وبذلك تعكس رؤية فطرية ضاربة في عمق الخليقة والحياة من خلال طرح أسئلتها الوجودية حول هذه العلاقة، وإن كانت علاقة تشابه أم مجرد تعقيد؟ حيث لا يمكن لبني البشر التشابه.
ولا يمكن للأشجار التشابه. مؤكدة أنه بذلك يصبح الإنسان كما الشجرة، وحدة فريدة الخصائص! لكن الوادي تراوح بين يقينين، وحين تعود من مدارج الحيرة المربكة تلك؛ فإنها تعود إلى ذاتها تتلمس كيانها لتتحقق من أنها بشر كما أنها شجرة لديها جسد ولديها جذع، لديها يدان ولديها أغصان، ومعا (نشترك بالأرض. والرمل. والحب. والكرم. وبين القوة. والغضب. والعناق. نأوي رأسنا تحت الظل. والتعقيد. والفجاءة.
وفي خضم الأصالة والخشونة بل الخشونة التامة يسقينا خالق واحد أحد! فهل يجعلنا هذا أكثر تشابها أو أكثر تعقيدا؟). ولعل ما يشغل الوادي هو هذه الإشكالية المتنامية في علائق المخلوقات، ومحنة العصر المترتبة على قطيعة أواصر الحب بين الكائنات، والشجرة منها على وجه الخصوص، رغم أزلية الانتفاع بها والممتد إلى الأبد.
كيف واجهت شذى هذه المعضلة، وكيف عبرت عن مفهومها لعلاقة البشر بالشجر وعلاقة الشجر بالبشر، في البحث عما يبدو إجابة عن أولوية النشوء، لتمنحه حق الأولوية في الأخذ قبل أن يُمنح عطاؤه، لم يعيها البحث عن السر الأولي في نشوء الحياة وقد أدركت أنه ليس سوى الحب، ذلك الذي أطاحت به معاول الأنانية، وأجهزت عليه الأحقاد، فتنام الخراب وعمت الفوضى.
إلا أنها ما زالت تحتفظ بإيمانها في وجود الحب، كما تصر على ضرورة الإبقاء عليه طالما هناك غصن غض وورقة خضراء، وحيث لا ينمو الحب إلا من خلال التعبير وتأكيد الحرص على حمايته، وبالتالي حماية الحياة والإبقاء عليها.
فالأمر ليس مستحيلا وليس صعبا، وأن البداية كما النهاية لا تحتاج إلا للمسة يد تمتد برسائل الود والتعاون والحماية والعطاء و.. السلام. واليد رمز كل ذلك وأساسه. لذلك وجدتها شذى المادة الأساسية والدلالة الفطرية لتنفيذ فكرتها فاختارت شجرة نابضة بالحياة وزاخرة بالعطاء.. غنية بإكسير الحياة.
أضفت الوادي على شجرتها كثيرا من معاني الرحمة، وتركت مظاهر الود والعطاء على الطريق المؤدية إليها بدءا من جذعها الضارب في الأرض وحتى رأسها الشاهق المائل.. فالسنابل تستقيم فارغة وتميل إذا اكتنزت بالخير. وهي رسالة غاية في الوضوح تقدم فيها شذى الوادي إفادتها،
وعلى الرغم من تلاحم كل تلك الأيادي، لتحيط الشجرة بالحماية؛ إلا أن الحياة لا تزال في حاجة ماسة إلى المزيد من التضامن، والى المزيد من الأيدي المتماسكة لتساهم في شيوع الخير وإقامة السلام والمحافظة على الحياة سليمة ونضرة.
كتبت - فاطمة محمد الهديدي
