مازلنا في جبل البحيص 18، ومع الوفود التي قدمت إلى الجبل قبل 7000 سبعة آلاف سنة نستكمل ما تم نشره في الجزء (3).. أصبحت المنطقة موضعا استخدم لأغراض الدفن من قبل هؤلاء القوم، ويبدو أن هذا المكان ظل قيد الاستعمال لفترة زمنية طويلة، فقد تم دفن ما يقارب 1000 من الأشخاص في موقع صغير لا يتجاوز قطره 20 متراً عند سفوح الينبوع القديم.

وتدل عادات الدفن على مراعاة احترام الأسلاف، ونوع من العقيدة التي تلعب فيها الشمس دورا مهما، لأن رؤوس معظم الأفراد المدفونين كانت متجهة نحو الشرق الذي يمثل اتجاه الشمس المشرقة. وقد احتوت العديد من القبور على أكوام عظمية تشير إلى ان أصحابها كانوا قد توفوا في مكان آخر وتركت أجسادهم لتتفسخ

ثم التقطت العظام بعد فترة لاحقة وجلبت ليتم دفنها عند سفوح الجبل في المقبرة الأم، وقد أطلق على هذا النوع من الدفن دفنا ثانويا، أما الأفراد الذين ماتوا في الموقع أو على مقربة منه فقد نالوا دفنا مهيبا في قبور سطحية

وهم يضطجعون على جوانبهم وقد طويت سيقانهم وأذرعهم، وكان معظمهم قد دفنوا وهم يرتدون زينتهم المؤلفة من قلائد عديدة، تتكون من الآلاف من الخرز المصنوع من أحجار ملونة وأصداف وحبات اللؤلؤ، وغالبا ما احتوت القبور على أكثر من شخص واحد، وتدل ترتيباتهم على وجود صلة قرابة بينهم،

ولقد تم العثور على قبر يحتوي على هياكل عظمية تعود لامرأتين ورجل واحد كانوا ممددين على جوانبهم إلى جانب بعضهم بعضا، كان الرجل يتوسط المرأتين وكان يضع ذراعه اليسرى على وسط السيدة الممددة أمامه وكان الثلاثة يتزينون بقلائد من الخرز والأصداف.

وفي قبر آخر وجد خمسة أشخاص ممددين إلى جانب بعضهم بعضا، وضعت ذراع كل منهم على جسد الآخر في وقت الدفن، لقد دلت تحليلات على عينات DNA أخذت من بعض الهياكل بأنهم كانوا يرتبطون بعلاقة قرابة، ومن الممتع ان نرى السيدة الممددة في المقدمة ترتدي خرزة عقيق في انفها في حين ترتدي الأخرى حبة لؤلؤ في شفتها السفلى،

ولا يستطيع المرء سوى التكهن بالأسباب الكامنة وراء موت أكثر من شخص واحد بنفس الوقت وبشكل عام فإن دراسة الهياكل تشير إلى ان الناس كانوا على مستوى غذائي جيد ويتمتعون بصحة جيدة، من ناحية أخرى فقد تم ملاحظة وجود كسور على بعض الجماجم وغالبا ما تماثلت للشفاء، ولكن البعض منها كان سببا للوفاة.

ويبدو ان حياة الرعاة في سهول المدام لم تكن دائما ترفل بالسلام، وربما كانت النزعات القبلية سببا لتفسير الموت المتزامن لعائلات كاملة في آن واحد. ولابد من الإشارة إلى ان بعض الأفراد المدفونين في هذه المقبرة كانوا قد تعرضوا لإجراء عملية فتح الجمجمة لإزالة ورم خبيث على ما يحتمل.

وبعيدا عن الهياكل البشرية، وعظام الحيوانات فقد تم العثور على العديد من الآلات والأدوات الحجرية، لكن اللافت عدم العثور على أية قطعة فخارية على الإطلاق في هذا الموقع.

مويلح

أما مكتشفات موقع مويلح الواقع على بعد 15كم من الخط الساحلي لمدينة الشارقة فتشير الدلائل إلى احتمال وقوعه في فترة استيطانه على مقربة من بحيرة ضحلة أو خور يتصل بالساحل، ومن المحتمل أن المناخ السائد في المنطقة خلال تلك الفترة شبيه بما هو عليه في الوقت الحاضر،

ويتميز بمواسم صيفية حارة ومواسم شتوية دافئة مع كمية أمطار ضئيلة جدا. ومنذ العام 1994 م وحملات التنقيب قائمة وقد أسفرت المسوحات عن ظهور مستوطن غير المفهوم السائد عن الحقبة المتأخرة لعصور ما قبل التاريخ بدولة الإمارات العربية المتحدة حيث تم استيطان خلال فترة العصر الحديدي الثانية (1000- 600 ق.م)

وأعقبتها فترة العصر الحديدي الأولى (1300- 1000ق.م) ويعتبر موقع مويلح في الشارقة احد مظاهر النمو الاستيطاني المختلف، ففي الوسط يوجد سور يحيط بالموقع، وفي الداخل يوجد ما لا يقل عن سبعة مبان ذات وظائف معينة بعضها لأغراض المعيشة والسكنى، وبعضها الآخر لأغراض الخزن، وبعضها بدت كمركز إداري للمستوطن،

حيث تتكون من غرفة مركزية كبيرة تحتوي على قواعد أعمدة يبلغ عددها العشرين بالإضافة إلى عدد من الغرف الصغيرة، وما حوته من الأواني العديدة المصبوغة، والجرار ذات المصب، والأسلحة الحديدية، ومئات القطع البرونزية التي تشير إلى وجود ورشة لتصنيع هذه المادة.

أما العثور على بضائع مستوردة من إيران ووادي الرافدين واليمن فهو يشير إلى الأهمية المتنامية للتجارة، والتي يسر جزء منها عملية تدجين الجمل في تلك الفترة. وقد كانت الاتصالات مع اليمن تشكل أهمية خاصة في ما يتعلق بتجارة البخور.

إلى جانب العثور على أقدم كتابة من خلال العثور على قطعة فخارية تحمل ثلاثة خطوط سبئية وهي أقدم كتابة إلى الآن يتم اكتشافها في دولة الإمارات العربية المتحدة نتيجة الاتصال مع اليمن. كما شهد المستوطن نمواً متسارعاً خلال القرنين التاسع والثامن ق.م إلا أنه وفي مرحلة بعد حوالي 750 ق.م.

تعرض لهجوم وحريق كامل وكان هذا الحدث المأساوي فرصة مواتية للآثاريين الذين ينقبون الموقع إذ تم العثور على أعداد كبيرة من المواد المصنوعة، وعظام الحيوانات والبقايا الأثرية. ويواصل الآثاريون عملهم في الموقع خلال السنوات القادمة للتعرف على تفاصيل حياة الناس الذين عاشوا في إمارة الشارقة قبل حوالي 3000 سنة مضت.

فاطمة محمد الهديدي