يعاني المبدعون من كتاب وأدباء وفنانين من عدم وجود ضمانات حياتية لهم ولذويهم، وأنا أدرك تماماً أن لا ضمان إلا بالاعتماد على الله سبحانه وتعالى، وقد أوصانا الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بأن نعمل لآخرتنا مثلما نعمل لدنيانا، وبالتالي فالحياة صعبة ونحتاج إلى تكافل وتكاتف المجتمع بكل نسيجه ومؤسساته.
ربما أن معظم العاملين، في القطاعات الحكومية، وبعض القطاعات الخاصة لهم بعض المكاسب وإن كانت نسبية تساعدهم على مواجهة الحياة، مثل تأمين صحي، تأمين اجتماعي، بدل أبناء، بدل زواج، وتقاعد وبدلات عديدة تتفاوت ما بين بلد وآخر،
أو ما بين قطاعات خاصة وحكومية، إلا الأدباء والفنانين العرب فهم سعفة في مهب رياح الحياة، والعودة إلى قصص احتياجات هؤلاء والظروف التي يعيشها بعضهم بعد أن شاخوا وعجزوا ولم يجدوا من يمنحهم العطف، والمال للعيش أو المعالجة.
أعرف أسماء العشرات من الأدباء والفنانين الذين خانهم العمر والزمن، وعاشوا منفيين ومهملين في بلدانهم وبعضهم خارج أوطانهم بعد أن أصبحوا بلا أوطان، بعضهم فقد بصره، والآخر يعاني من أمراض الشيخوخة، أو أمراض عضال أصابته في أواخر حياته، والكثير منهم يموتون دون إعلان، ولا تشييع ولا نعرف حتى أماكن قبورهم.
لعلنا نحن الذين نعيش على هذه الأرض الطاهرة أحسن حالاً من زملائنا الذي ينتشرون على مساحة الوطن العربي أو في المنافي في قارات العالم الواسعة، فالخير ما زال سيد الساحة، ولكنني أتكلم عن حالة عامة تشمل معظم المبدعين إن لم يكن جميعهم، فهم يعانون الأمرين في حياتهم ولا بد من مشروع إنساني على مستوى الوطن الواحد،
أو حتى المستوى القومي، ونلخصه بتسميته «صندوق تكافل الأدباء والفنانين العرب» وفكرة المشروع ليست جديدة، حاولنا في الثمانينات في القرن الماضي أن نؤسس هذا الصندوق في اتحاد كتاب وأدباء الإمارات، وسعى به في حينه، رئيس الاتحاد الأستاذ عبد الغفار حسين،
وصديقنا الأديب ناصر علي الظاهري، والزميل عبد الحميد أحمد، إلا أن المشروع أجهض حينما لم يجد أذناً صاغية للاستجابة، كذلك طرح أحد الاخوة العرب فكرة تأسيس منظمة عربية تشمل كل الوطن العربي ويتمثل بها مندوبون عامون لكافة الأقطار أعضاء في مجلس إدارة واسع وشامل،
ومحاولة وضع رأسمال لاستثمار غير مغامر يجمع من تبرعات الشركات الوطنية العربية ومن غيرها، ويصار إلى وضع أسس للاستثمار ومنهج عمل على أن يغطي كل حالات الاحتياجات العاجلة للأدباء والفنانين على مستوى الوطن العربي من الماء إلى الماء، إلا أن الفكرة تجمدت لعدم استكمال العمل، ولصعوبات عديدة.
والآن نحن بصدد التفكير بصوت عال للبحث عن وسيلة لإيجاد صندوق، أو صناديق تكافل تساعد الأدباء والفنانين والمفكرين عند حاجتهم إلى دعم مادي، أو حتى معنوي، أو في الدفاع عنهم وعن حرياتهم وحقوقهم، أو ربما إيجاد فرص منحهم رواتب تقاعدية تعينهم على الحياة بعد عجزهم عن العمل،
وحفظ كرامتهم بعدم تعرضهم للسؤال أو الطلب أو حتى الموت بصمت على سرير منعزل وركن مهمل.إننا جميعاً مدعوون للتفكير والعمل، وإعادة الحياة بالمشاريع التي كنا نحاول أن ترى النور، أو تطوير مشاريع موجودة أصلاً عند بعض الجمعيات، أن المسؤولية لا تتحدد بنا كأفراد
وإنما مسؤولية مجتمع برمته، بمؤسساته، ومنظماته، بل هي مسؤولية المنظمات الإقليمية والقومية والإنسانية التي يمكن أن تقوم بدور فاعل بدعم جهود الإفراد في بداية الطريق وتساعد على ظهور بعض هذه المشاريع الإنسانية.