في فكرة سابقة، تحدثت فيها عن العلاقة بين الإنسان والرواية، هذه العلاقة التي تواصلت عبر العصور، وعبر كل المروي، سواء كان أسطورة أو ملحمة أو قصة شفاهية، أو حين تحول المروي إلى جنس أدبي، وأن الشغف بالرواية يكاد يكون سمة لجميع العصور والمجتمعات والمستويات، يتساوى في هذا الشغف، الأمني الذي كان يلاحق القصاصين الشعبيين في المقاهي والمضافات أو العالم الذي وصل إلى مستوى عال جداً من العلم والمعرفة.
ولعل موقف العالم التجريبي داروين الذي قضى كل سنين عمره، في البحث الميداني والمختبري، من الرواية وافصاحه عن شغفه بها، يشير إلى عمق هذه العلاقة واتساعها حيث يقول: كانت الروايات، وهي من صنع الخيال، تريحني وتسعدني، حتى أقلها جودة، وكنت أبارك كل الروائيين، وعدد من الروايات قرئ علي بصوت مرتفع أحببتها كلها، ولو كانت نصف جيدة، وخاصة إذا انتهت نهاية سعيدة.
إن ما يقوله داروين، يذكرني باستاذ جامعي لامع، وباحث جاد، حيث كان شديد الحرص على مشاهدة أفلام إسماعيل ياسين، وهي بشكل ما، نوع من أنواع الرواية، على صعيد (المروي) وليس على صعيد الجنس الأدبي، وقد انتقد أحد أصدقائه قائلاً إنك تضيع وقتك في هذه الأفلام التافهة، فأجاب بهدوء، أنا أحرص على مشاهدتها لأنها تافهة ولا تكلفني أي عناء أو جهد فكري.
وقرأت منذ أعوام مقالة في صحيفة «الاتحاد الاشتراكي» المغربية، كتبها شاعر عربي يقول فيها: إن بعض أبطال الروايات التي قرأتها في مراحل مبكرة من حياتي الثقافية صرت أشعر بمرور الزمن، أنني على علاقة بهم، وعشت معهم، وحاورتهم بل كنت في حالات من التداعي، يذهب بي الظن إلى أنني التقيت بهم في مدن معينة جالستهم في المقاهي والنوادي، واعترضت على بعض مواقفهم.
ورفضت بعض أفكارهم، وكانت الذاكرة تمنحهم صفات جسدية وسلوكية، قد تختلف عن صفاتهم في الرواية، ويذكر في مقالته الأخوة كرامازوف، أبطال رواية الروائي الروسي ديستوفسكي، وإيهاب بطل رواية موبي ديك، تحفة الكاتب ميلغل، والمجند الألماني الفنان في رواية صمت البحر.
لقد قرأت ملاحظة للناقد السينمائي أحمد طمليه، قال فيها: أحياناً، تختصر علاقة المشاهد بالفيلم، بذكرى فتجد المشاهد يعود لمشاهدة فيلمه المفضل، لعله يستعيد لحظات يفتقدها، وهذا ما نلحظه في ميل كبار السن إلى مشاهدة أفلام أيام زمان، فهم بذلك يستعيدون أيام شبابهم، أو يميل من هم في منتصف العمر لمشاهدة أفلام شبابية، فهم بذلك يستعيدون جمرة عنفوانهم.
وما أشار إليه طمليه، يذكرني بالفنانة الراحلة سامية جمال، حيث أقنعها أحد زملائها بالعودة إلى الرقص وهي في السبعين من العمر، واستجابت لاقتراحه وحين أطلت من المسرح على المشاهدين، اكتشفت أن جلهم من كبار السن، فقالت: لقد جاءوا لمشاهدة سامية جمال أخرى، تلك التي عرفوها أيام الشباب.
ومن المؤكد أن الكثيرين منا رأوا في شخصية (سي السيد) بطل ثلاثية نجيب محفوظ، ملامح من آبائهم أو أجدادهم أو أحد أقاربهم أو معارفهم.
لكي يبقى السؤال، لماذا الرواية؟!
من الإجابات التي توقفت عندها على سؤالي سالف الذكر، ووجدت فيها بعض الحقيقة وليس كلها، ما قاله عالم النفس ماندو في بحثه العميق (علم النفس في حياتنا اليومية):
لماذا يقرأ عدد كبير من الناس القصص، ولماذا يذهبون إلى السينما؟ ثم يجيب على سؤاله هذا بالقول: ان القول بأنهم يفعلون ذلك لمجرد الاستمتاع، ليس الجواب الشافي، إذن ما هو الدافع الحقيقي لتمتعهم، ولماذا يلتذ هذا الشخص بالرواية، وذلك بهذا الفيلم أو ذاك، لأنهم يتقمصون إحدى شخصيات الرواية أو أحد أبطال الفيلم، حيث يضع الإنسان نفسه مكان الآخر، ويتظاهر كأنه البطل.
وهنا سأتساءل بدوري، هل تقمص الآخر في الرواية، هو الدافع الوحيد لعمق علاقة الإنسان بالمروي؟ ثم أجيب عن هذا التساؤل بالقول: لا، بدليل أن القارئ يحب أماكن معينة في الرواية التي يقرأ، ويحب أحد أبطالها ويتعاطف معه إلى حد البكاء، وفي الوقت ذاته يكره بطلاً آخر.
وسأفترض أن كثيرين من القراء يعرفون ما حدث لأحد القصاصين الشعبيين الذي كان يروي قصة عنترة العبسي، وحين وصلت الأحداث إلى لحظة حبس عنترة في أحد السجون، غادر الراوي المقهى إلى بيته لينام، لكن عدداً ممن كان يستمع إليه لم يستطع النوم وعنترة في السجن، فذهبوا إلى الراوي وجاءوا به في آخر الليل، ليطلق لهم سراح بطلهم المحبوب!!