في ظل الخلط الحادث أحياناً ما بين الفطري والمكتسب، والمختَرع والمبتكر، والمخلوق والمتجَدد.. ماذا عن تداخلات الإبداع في حالات الاختلاط هذه، أو المشابهة لها؟ هل ثمة إبداع خالص؟ أو هل ثمة جديد لا يشوبه الإبداع مطلقاً؟

وماذا عن دقة الاختيار؟ ألا يمكن أن نجد فيها ما يمكن أن نسميه النقد المبدع، خاصة حين تتعلق تلك الدقة بعين لاقطة أو حس مرهف أو وعي جمالي، وحتى فكري، مع الأخذ بعين الاعتبار أن عملية الاختيار تتعلق بمنحي النقد، الذاتي والموضوعي، أو الداخلي والخارجي؟

بعيداً عن الخوض في اختيار لجان التحكيم للأعمال الإبداعية الفائزة، ودقة اختيارها ونزاهة معاييرها، والإشكاليات التاريخية المتتابعة لهذه العملية.. فإن في اختيار الشاعر لقصائده أو التشكيلي للوحاته، يختلط الإبداع بالإبداع، والباطني بالظاهري، ويتشظى منجز العمل بين الناقد والمبدع، وفي كثير من الأحيان نعتقد أن قصيدة أو لوحة أو قصة لا تنتمي لصاحبها، أو تنعق أو تغرد خارج التجربة ككل.. فهل يرجع هذا إلى عدم نضوج التجربة، أم إلى دقة الاختيار؟

وفي نظرة الناقد للمبدع، ومع تداخل الذاتي والموضوعي فيها، أي ذات الناقد وقدرته على التجريد، ينحى الاختيار عدة مناح ، فثمة اختيار للجوانب المشرقة في العمل المنجز، وثمة تسليط للضوء على الجوانب المظلة.. ومصداقية الناقد العارف، تكون الحكم الفصل في ذلك.. ولكن ماذا عن عملية الاختيار بين عمل وآخر، ماذا عن الدقة المبدعة التي يشارك فيها الناقد المبدع في تمييزه بين عمل وآخر، في مساعدته على تحديد مستوياته الإبداعية، أو تطوره، أو مراوحته مكانه؟ أليس ثمة إبداع في عملية الكشف والاختيار هذه؟

الأمثلة الأكثر تجسيداً لهذه التداخلات، والأقرب للإجابة عن أسئلتنا وإثارة أسئلة جديدة، هي عملية تقييم الأعمال المشاركة في المعارض الفنية، لأنها على الأقل يشرف عليها قيّمون بشكل دائم، وربما التجربة الأنضج حالياً هي المعرض الأول للتصوير الفوتوغرافي في جمعية الإمارات للفنون التشكيلة بالشارقة.

والذي يضم نحو مئة وثلاثين عملاً لثمانية وعشرين فناناً... والزائر للمعرض، سيلحظ أن ثمة إبداعاً في الاختيار، منحه تنوعاً خاصاً، بدأ من اختيار الأعمال لكل مصور، فجاءت متجانسة تعبر عن تجربة متبلورة أو في طور التبلور، تتناول موضوعاً معيناً أو تحاكي فكرة ما، أو ترصد حالة ما، أو تؤرخ لمرحلة ما..

ومنح عرض هذه التجارب ككل تنوعاً بانوراميا مدهشاً أحاط بالكثير من الجوانب الفنية والحياتية والفكرية.. فثمة اهتمام بالبيئة، وثمة جوانب رومانسية وجوانب تراثية، وثمة بحث في التاريخ وحفظ للهوية، وثمة تخليد للحظة فرح طفولية، وثمة عفوية وفرح وجمال ورقص ووجوه وملامح... مما ارتقى فعلا بفن التصوير، وأخذه من مجرد هواية وعبث وتداول للصور وحسب، إلى فن له قيمته وفعله الثقافي الخاص به... فن يدون ذاكرة الماضي، ويؤسس لذاكرة المستقبل.

واللافت في كل هذا أن عملية التقييم كانت جماعية، شارك فيها - عبر ورشات عمل مكثفة - مجلس إدارة الجمعية والقائمون على المعرض والمشاركون فيه، وتم التباحث في كيفية الاختيار نظرياً وعملياً.. فهل يمكن اعتبار ذلك عملاً إبداعياً جماعياً؟

abuhamed@albayan.ae