الدراسات الأدبية واللغوية المقارنة بين الحاضر والمستقبل كانت عنواناً للمؤتمر الدولي الذي أقامته كلية الآداب جامعة القاهرة في محاولة للبحث عن طريق يجمع شتات الحضارات واللغات والثقافات التي أصبحت تمارس انتحاراً جماعياً في عصر تحكمه عولمة الدولة الواحدة بفرضها نموذجاً ثقافياً واحدا يتمثل في ثقافة الأمركة الجديدة تلك الثقافة التي تدعو إلى تفرقة العالم وإبعاده عن الأهداف السامية للاندماج والسلام والعلم.

وعلى مدار ثلاثة أيام نوقش عدد من الأبحاث أهمها البحث المقدم من د. أشرف أحمد فراج أستاذ الآداب بجامعة الإسكندرية عن حرب اللغات في ضوء السياسة والعولمة والذي يعد علم اللغة السياسية أحد أحدث أفرع العلوم اللغوية المعاصرة.

حيث يتناول هذا العلم ما يطرأ على اللغات من تغيير وتطور بفعل المؤثرات الخارجية عسكرية كانت أو اقتصادية أو حضارية مما ينجم عنه زراعة مفردات وصيغ لغة ما من اللغات داخل الجسم اللغوي للغة أخرى بحيث تصبح هذه المفردات والصيغ الدخيلة بعد فترة من الزمن جزءاً عضوياً من جسم اللغة التي تعرضت للغزو.

ويشير د. فراج في بحثه إلى أن للغزو اللغوي وجهين أحدهما جبري والآخر طوعي فالنوع الأول يفرض فيه المستعمر لغته بالقوة الجبرية على السكان الأصليين للبلاد والتي يستعمرها بهدف طمس السمات اللغوية في لغتهم القومية وهو الشيء الخطير حيث يرتبط البناء النحوي التركيبي في اللغة بطرق التفكير العقلي والسلوك الاجتماعي الذي يميز ثقافة كل شعب على حدة.

فثقافة الشعب وطريقة تفكيره وملامحه الحضارية تتجلى في طريقة بنائه للعبارة اللغوية وفي أسلوب ترتيب أجزاء الجمل، ولقد مثل الاحتلال أو الاستعمار الإنجليزي والفرنسي للقارتين الأفريقية والآسيوية غزواً لغوياً حاداً حيث حارب الاستعمار الفرنسي اللغة العربية في شمال أفريقيا تونس ـ الجزائر ـ المغرب ـ سوريا ـ لبنان كما عمد إلى تهميش اللغات الوطنية لصالح الفرنسية.

وعن اللغة العبرية وعلاقتها بالعربية تحدث د. عبيزة ادريس بكلية آداب جامعة الرباط قائلاً تكلم اليهود دائماً لغة البلد الذي كانوا يعيشون فيه وفي كل مرحلة من مراحل تاريخهم أقدموا على ترجمة التوراة إلى لغة هذا البلد وهذا ما حدث في عهد السلطان اللغة الآرامية .

حيث ترجموا كتابهم المقدسة إلى هذه اللغة وعرفت الترجمة الآرامية بلغة النجوم حصل هذا أيضاً عندما أصبحت اللغة الإغريقية هي لغتهم اليومية وترجموا التوراة إلى هذه اللغة وهي الترجمة المعروفة باسم الترجمة السبعينية التي تختلف في كثير من المواضع عن النص العبري وسيحصل هذا مرة ثالثة في عهد اللغة العربية وسلطانها عندما بسطت نفوذها على البقعة الشرقية .

وبذلك أصبحت اللغة الغربية هي اللغة الرسمية لليهود سواء بالشرق العربي أو المغرب منه، وحتى يبقى اليهود على اتصال بدأ علماء اليهود يفكرون في وضع ترجمة عربية للتوراة وهكذا جاءت ترجمة سعديا كؤون الفيومي لتسد هذا الفراغ علماً أن هناك ترجمات عربية للتوراة سبقت ترجمة سعديا سواء قبل الإسلام أو بعده وهي الترجمة التي طرحت قضايا وعلاقات مع اللغة العربية.

أشكال أدبية

وتحدث د. حسن بوسماحة من جامعة متوري قسطينة بالجزائر عن الأدب المقارن في ظل الثورة المعلوماتية قائلاً لقد ظهرت أشكال تعبيرية أدبية وإبداعية جديدة بفضل الإعلام الآلي وثورة التكنولوجيا والمعلومات التي نعيشها حيث بدأت منذ عام 1959 الأدبيات التاريخية أن الخلود لها سيأتي من الإلكترونيات .

وهو ما فعلته اللغة الألمانية لأول مرة عندما أعلن «تيو لونتز» انطلاق أول شكل للشعر المدعو الشعر الإلكتروني والمؤلف بواسطة جهاز الإعلام الآلي، ومنذ ذلك التاريخ أصبحت هذه الظاهرة عالمية كشكل جديد من الأدب في مراحل نشأته الأولى وكنوع حديث من الأدب الذي لا يعرف حدوداً فالظاهرة الأدبية الآلية تضمن لنفسها الاستمرارية والانتشار كاتجاه عالمي جديد للأدب يطرأ عليه تطورات وتحديثات لكنه أبداً لن يتعرض للطمس كشكل تعبيري وإبداعي أحدثته التكنولوجيا الحديثة والإعلام والاتصال متبعاً منهج الدراسة الأدبية لكن بصورة حديثة.

القاهرة ـ غادة إبراهيم