جاء الزمن العويل، ليعرض فيه الإنسان أغلى الأشياء لديه وأثمنها، كالسلعة على الأرصفة، للبيع.. لمن يدفع أعلى ثمن!!

ويا للتعاسة.. لا يجد المشتري الذي يدفع الثمن!!

يجد المزاد يعقد، ليبخسه حقه في الحياة والممات.

في الأيام الخوالي الماضية، كنا نستغرب عندما نسمع بأنه سيأتي في الأزمنة القادمة، زمن يباع فيه الإنسان، يباع فقط. وبأرخص الأسعار !!.

تباع حواسه وعقله وقلبه وكبده وكليتاه ومقلتا عينيه، بالإضافة إلى شعوره وأحاسيسه. كل شيء أصبح وأضحى مباحا.. معروضا في أسواق النخاسة، أسواق البشر.. أسواق الأعضاء البشرية. فماذا يفعل هذا الإنسان البسيط، سوى أن يعرض أعضاءه البشرية للبيع؟

عادة الإنسان يبتاع ويشتري.. لكن لا يستطيع أن يشتري أشياء قيمة، غالية الثمن ذات مضمون جيد.. لا يوجد لها موازين أو أسعار لتقيمها وتقدر ثمنها..

أشياء لا تباع ولا تشترى. ثروة.. لا تقدر بثمن.!! كالقيم والمثل العليا والأخلاق. وإن كانت أحيانا، تباع في أسواق المال والتجارة والسياسة والحرب والاقتصاد.. فمن يبيع جسده لا ريب أن يبيع عقله وضميره وفكره أولا. أن يسقط هذه القيم من قاموس حياته وأن يدوس على المثل الراقية، ويفكر كالأنعام، يأكل ويشرب ومن بعدي.. الطوفان!!

وذات يوم حدثني صديق بسيط الحال، حدثني بأنه أسعد إنسان، وأغنى إنسان. وإنه يمتلك ثروة هائلة!! كنت في حيرة من أمره وحديثه، قلت في نفسي: كيف تجتمع السعادة مع حالته هذه، ومن أين جاءت هذه الثروة الهائلة؟!.

بعد قليل استطرد يعرض الثراء الذي لديه بأسلوبه السهل البسيط. قال إنه يمتلك كليتين سليمتين، والكلية الواحدة تباع الآن في سوق الأعضاء البشرية بآلاف الدولارات. كم يكون حسابه ورصيده في بنوك الأعضاء البشرية؟!

وأضاف قائلا: ولا تنس القلب، أليس ثروة، كنز ثمين مدفون في أعماقي، أحتفظ به، ولا أبدده أو أتنازل عنه مقابل أموال الدنيا، القلب كنز من النقاء والصفاء وراحة البال، وأكسير الحياة لا غنى عنه مقابل أموال قارون.

والعين.. أليست جوهرة نادرة وغالية الثمن؟! كم سأحصل على مقابلها إذ عرضتها للبيع؟. كل الأعضاء البشرية تباع، في السوق السوداء على مستوى العالم، تباع الضمائر والعقول والأفكار وتشترى أيضا.. مثل دماء البشر!!

حقا.. إنها ثروة نادرة وغالية يمتلكها الإنسان، ثروة.. وهبنا الله إياها، للغني والفقير، للأسود والأبيض، لكل البشر، ليس هناك فارق بين وزير أو حارس ليلي، الله أعطانا كل هذا الثراء الواسع العريض الذي يستمر معنا طوال رحلة الحياة، رحلة الكفاح والعمل في سبيل الحصول على القوت وعمار الكون، واستخدام هذه الثروة دون تفريط أو إفراط، دون إتلاف لها بالبيع أو الرهن أو المخاطرة. ألسنا أغنياء، ألسنا أثرياء؟! ماذا نريد بعد هذا الثراء الذي وهبنا الله إياه؟!

وعلى هذا، وإن كنا نمتلك هذا الثراء الكبير من الأعضاء البشرية.. فلا يحق لنا التصرف فيها، لأنها أمانة، وما أثقل الأمانة على كاهل البشر!!