أين تذهب أقنعة الأحياء في بلاد الموتى؟ أين ذهبت أقنعة جواد سليم ومصطفى جواد وأحمد الصافي النجفي والجواهري والبياتي المنتزعة من وجوههم لحظة الموت؟ أين تذهب أقنعة السرد والرؤيا، أقنعة الحب والشفقة والقسوة والخداع في روايات فؤاد التكرلي؟

التقيتُ الأستاذ التكرلي في أسبوع (المدى) الثقافي الخامس في أربيل، وكان وجهه شاحباً شحوب الموت. يغادر غرفته في الفندق، وما يلبث أن يعود إليها بعد وجبة طعام وحديث سريع وتوقيع روايته الأخيرة (اللا سؤال واللا جواب). يتنقل بقناعه الحيّ بين أقنعة المهاجرين القادمين من بقاع العالم المختلفة، قبل أن يُجرى توديعه في بهو الفندق، ويُهدى مسلة حمورابي في قفص زجاجي، ويُوضع في سيارة تقله إلى المطار، ويغيب وجهه الشاحب وراء الجبال المحيطة بأربيل، عائداً إلى عمان مكان إقامته الأخير.

تعلمتُ أوليات فن السرد قبل أن أجربه، وتنسمتُ هواء بغداد قبل أن أزورها في مطلع الأعوام الستينية، عندما قرأتُ قصص (الوجه الآخر) في هواء الفنادق الراكد، وضوء عربات الدرجة الثالثة لقطارات الليل. خضّني اغتراب شخصياته ونزعاتها الجنسية اللا شرعية، وبعثرني حوارها بلهجة بغداد اليومية بين لهجات المدن العراقية وأريافها المترامية في أعماق الأهوار. حدثت هذه المؤثرات كلها قبل أن يجمعني اللقاء الأول بالتكرلي بين الجبال عام 1978 مع حشد من القصاصين العراقيين المدعوين إلى ملتقى القصة في مصيف صلاح الدين.

آنذاك كان فؤاد يختفي وراء علامات قناعه الحي: الأناقة والرقة والحبر الأخضر الذي يوقع به إهداء مؤلفاته. تجعد قناع الروائي العراقي المتقدم جراء هجراته، إلا أن سرده الصافي مثل ينبوع جبلي ظل يهديني إلى موقعه البغدادي القريب من موطن ولادته في محلة (باب الشيخ).

كلما التقتْ أجيال القصة العراقية بين سلسلتين جبليتين، شعرتْ بالفاصل الزماني الذي فرّق الأبناء عن الآباء، والفاصل المكاني الذي قطّع أوصال نمطين من السرد: السرد الصافي لواقع ما قبل الحرب، والسرد المليء بالثقوب والفجوات لواقع ما بعد الحرب. كان سرد التكرلي صافياً، نابعاً من رؤية اغترابية انفرادية، حصرت شخصياتها في هامش سردي تتداعى عليه رغباتها الدفينة، وأشتاتها الذهنية المتناثرة، وارتداداتها الكافكاوية اليائسة.

كان الصمت الاجتماعي سائداً وراء سلسلة جبال التكرلي، لا تُسمع فيه سوى أحاديث يومية متكتمة، حين أطلقت مدافع الحرب قذائفها في هذا الجانب من السلسلة، وبدأت مرحلة الصراع المميت لجماعات الواقع المتشابهة الملامح والعبارات. تمزقت عباءة السرد الصافي، وسُحقت الطبقة الصناعية والتجارية الوسطى، وهاجرت النخبة الناطقة عنها، وابتعد التكرلي عن موطن شخصياته الأليفة حاملاً معه مخزونه من ملفات (الرجع البعيد)، ليعمل على تصفحها خلال عشر سنوات بين تونس وباريس، وينتج منها عمله الروائي الأول عام 1977.

قبل مرحلة الانفجار الحربي، ترك لنا التكرلي عملاً قصصياً طويلاً عنوانه (الوجه الآخر) كتبه بين 1956 ـ 1957، ليصبح تذكاراً لقناعه الحيّ الذي امتلأ بالندوب والتجاعيد مع ارتحاله من مدينة إلى أخرى. يحتوي هذا العمل المدهش على تقنيات التكرلي السردية الأساسية، وطريقته في استنطاق نماذجه الإنسانية المغتربة، وسحب تداعياتها الذهنية المحرمة إلى خارج هامشها الصغير. زرع التكرلي في (الوجه الآخر) بذرة رواياته التالية التي أنتجها بعيداً عن بغداد، فكأننا نقرأ فيه ثيمة متجاوبة بين عنوانات مختلفة:

ـ (الرجع البعيد) لحوادث الواقع القديم.

ـ البحث عن معنى (المسرات والأوجاع) في حياة بوهيمية.

ـ (خاتم الرمل) المدفون في صحراء الذات المغتربة.

ـ (اللا سؤال واللا جواب) في مواجهة الأسئلة والأجوبة الختامية.

حمل التكرلي معه ملفات موظفي سراي المحاكم ونساء (الميدان) وزبائن المقهى البغدادي فاكتسب منها حرفة (العرضحال) الذي يجيد الدفاع عن قضايا شخصياته في قصص قصيرة تتوازن فيها ارستقراطية الروح المترفعة وسيمباثية الشعور الشعبي المعذب. وشاركه هذه الحرفة قصاصون (عرضحاليون) جلسوا على حافة الشارع المواجه لمحكمة الأحوال المدنية، تركوا على مناضد عملهم أقنعة (الروزنامجية) المغبرة بتراب الأضابير.

كان هؤلاء جميعاً قصاصي المدينة الذين سبقهم التكرلي في إحياء الوظيفة المدنية للرواية وشغلها بثيمات النُزُل المشتركة ودور الملذات السرية. بعدئذ فقدت الرواية العراقية هذا النسغ المدني المتصاعد من أنفاس الخلائق المتصارعة بصمت في أجواء برع التكرلي في عقدها وامتصاص أفكار أذهانها الحادة. انغلقت الأبواب، وصمتت شخصيات تعبت من ترديد حوارها العامي اليومي، ونامت نومتها الأبدية في خان المسرات والأوجاع. يتذكر التكرلي هذه الأجواء .

وينشر أحياناً ما يخطر في باله من ذكريات طفل المدرسة الذي يبحث عن همسات أصحابه وجيرانه في خرائب (باب الشيخ)، ويسجل بعض الهوامش على صور باهتة التقطها بصحبة زبائن مقهى (حسن عجمي). نشرت الصحف بعض هذه الصور التي يرجع التقاطها إلى أوائل الخمسينات، وفي واحدة من الصور يخطو التكرلي إلى جانب ثلاثة من خلصائه (عبد الملك والبياتي وأخيه نهاد) على الرصيف المقابل لجامع (الحيدرخانة) في الباب المعظم.

ما لم تظهره الصورة القديمة تخيلتُه بنفسي في خطوط القناع الحيّ لوجه التكرلي الشاحب في أربيل: حشد من شخصياته القصصية يتبع الأصدقاء الأربعة في خطوهم الذي لم يتوقف منذ ذلك الحين. إنهم يتنفسون النسمات الأخيرة من هواء شارع الرشيد بعد خروجهم من خان المسرات والأوجاع، ويسرعون للدخول في الفصل الناقص من مخطوطة رواية الأستاذ التكرلي التي يحملها معه إلى (خان) العالم الآخر.

Mkhudayyir @yahoo.com