يبدو أن ظاهرة العزوف عن حضور الفعاليات الثقافية التي تعاني منها العديد من المؤسسات صاحبة الاختصاص ليست شكوى ولا عائقا لدى عدد من المهتمين وعلى الخصوص المهتمات بالشأن الثقافي وتحديدا في مجاله الأدبي، بل لعلها السبب في اتجاه هذا البعض إلى تأسيس عدد من الصالونات والمنتديات الأدبية غير الرسمية والتي باتت تقدم خدمة في مجالها تفوق ما تقوم به بعض المؤسسات المندرجة تحت جمعيات النفع العام.

أسما صديق وهي واحدة ممن اتجهن إلى تأسيس صالون أدبي خاص حمل اسم (الملتقى) وهي تنفي عن نفسها صفة الريادة في تأسيس أول منتدى أدبي في أبوظبي من باب الإيثار بينما يؤكد الآخرون على ريادتها، كما تُصر على إبقاء دورها بعيدا عن الأضواء، علما أن تاريخ العمل الثقافي لديها عريض ومديد.

فهي ناشطة على المستوى الاجتماعي والإنساني والثقافي، تمنح وقتها بتوازن لكافة اهتماماتها المجتمعية والحياتية، عملت رئيسة للجنة السيدات في المجمع الثقافي، حيث كن همزة الوصل بين المجمع والمجتمع، بهدف تفعيل دور المجمع وربط أنشطته بالمجتمع النسائي على وجه الخصوص، حاليا هي مستشارة ثقافية في القسم الثقافي باليونسكو. ولكونها تدير صالونا أدبيا ( الملتقى) أكمل اثنى عشر عاما جاءت محاولة الاقتراب من أجواء هذه التجربة في الحوار التالي:

* ماذا تقولين عن هذه التجربة والدافع إليها؟

ـ دعيني أقول أولا أن الدافع الأعمق هو غرامي بالكتاب فأنا مغرمة بصحبته منذ الصغر، وهو رفيق السفر والإجازات وكان ذلك بتشجيع الوالد، وأما البداية الجماعية فكانت من خلال انضمامي إلى مجموعة من السيدات من الجاليات الأجنبية وهن أول من أضاء الفكرة في ذهني حين كنا نبادر إلى اقتناء أحدث الإصدارات الأدبية والثقافية باللغة الانجليزية ثم نطرحها للنقاش.

وهذا الأمر مضى عليه قرابة العشرين عاما، بعد ذلك عرّبت الفكرة أي جعلت الإصدارات العربية هي مجال التناول ومحاور المناقشات، وتشكلت أول مجموعة، وهذه التجربة أكملت اثني عشر عاما بمجموعة بلغ عدد عضواتها العشرين، ونحن نحاول ألا تزيد عن ذلك رغم النجاح الملموس ورغم الانسجام وتقبل الفكرة والإقبال على تكرارها.

أما الدافع إلى تشكيل هذه المجموعة فلعل الهدف الأول هي الرغبة في التواصل مع الكتاب العرب، على اختلاف توجهاتهم، وتنوع جنسياتهم، وكذلك اختلاف الأعمار بينهم مما يتيح لنا المقارنة بين التجارب الإبداعية نفسها والتعرف إلى مستوياتها؛ الأمر الذي يمنحنا القدرة على التحليل، ومن ثم الرغبة الحقيقية في تنمية المعرفة الذاتية.

* ما هو الهدف الذي تسعون إليه؟

ـ ليس سوى السعي إلى الارتقاء بالذائقة الأدبية لدى كل منا، وذلك من أجل تنمية المعرفة الشخصية وتعزيز الوعي في مجال الإبداع الأدبي، فما نقوم به بعيدا عن الطابع الرسمي، لان ذلك يمنحنا فرصة أكبر للتعبير عن آرائنا براحة مما يعزز الثقة بالنفس؛ لكن الصراحة في النقاش لا تعني مطلقاً التجاوز على أحد أو الإخلال بمبدأ الحوار.

* وكيف هي آلية هذا الحوار؟

ـ نقوم بتوفير النسخ الكافية وبالطبع تبدأ عملية قراءة العمل المتفق عليه من قبل المجموعة ككل قبل وقت كاف من اللقاء، مع الحرص على استضافة صاحب العمل ليتم النقاش في حضوره، وإن تعذر فلا بأس حيث لا شيء يعيق الملتقى وهو يسير بالنظام نفسه منذ انطلاقه قبل سنوات ولله الحمد. لكني أؤكد على أن النقاش الذي نقوم به ليس نقدا أكاديمياً وإنما هو إبداء رأي انطباعي ليس إلا؛ لان ذلك يضمن الابتعاد عن الرسمية التي قد تشعرنا بالتقيد.

* كيف يتم التنسيق مع كتاب الأعمال لحضور جلسات النقاش؟

ـ نغتنم فرص وجود الزائرين منهم للدولة، وقد تكونت لدي قاعدة معارف كبيرة من المبدعين العرب في فترة عملي بالمجمع الثقافي وما زال التواصل مستمراً، ولا يترددون في التعاون معنا في سبيل ذلك. ومؤخرا تم اللقاء بالناقد والمفكر المصري المعروف د. صلاح فضل ومن قبله كان اللقاء بالكاتب.. واسيني الأعرج وهدى بركات وصمويل شمعون وزينب حفني وأحلام مستغانمي وأنور الخطيب وغيرهم، وهؤلاء على سبيل المثال، فالحقيقة أنه عدد كبير من رموز الإبداع في الأدب العربي ولا يمكنني حصرهم، ولجميعهم التحية.

«إن الاحتكاك بهؤلاء الكتاب هدف في حد ذاته، وان الانطباع الذي نلمسه لديهم يؤكد صحة توجهنا ويعزز ثقتنا نحن كمجموعة، حين يثمن مثل هؤلاء المبدعون مثل هذا الملتقى، وحين يعلن أحد رموز الإبداع الأدبي حيث أبدى أحدهم في أحد اللقاءات عن سعادته وعبر قائلا ( منحتم كتابي قيمة أكثر من قيمة الكتاب نفسه) وهذه شهادة نعتز بها جميعناً نحن كمجموعة وتمنحنا دافعاً لمواصلة هذا العمل، وهي دلالة على أننا نسير في الطريق الصحيح.

* ما هو أهم منجز لهذا الملتقى؟

ـ أولا تواصلنا المستمر نحن كمجموعة، بالحماس نفسه وبالالتزام نفسه، وشغف القراءة الذي يجمعنا، والذي لم ولن يخبو توقده، لكن الجميل في هذه التجربة أنها توسعت وأفرزت عدة مجموعات، بلغت اليوم ثماني مجموعات، بما فيها مجموعة اللغة الانجليزية واللغة الفرنسية التي ما زلت أشارك بها. تتراوح أعداد عضوات كل مجموعة، فمنها لا يقل عن الست عشرة سيدة من العضوات، ومنها ما يزيد عن 160 عضوة.

* هل تهتمون بتقييم التجربة وهل قام بها أحد؟

ـ ذلك لا يشغلنا فنحن لسنا في مجال مقارنة ولا منافسة، وما نقوم به، من أجل تنمية معارفنا كما قلت لك سابقا، ولكن حين يشيد ناقد مثل د. صلاح فضل بأن الأسلوب الذي نتبعه لا يمكن مقارنته بكثير من أساليب النقاش المتبعة في أعرق الاتحادات أو النقابات الأدبية والثقافية في عالمنا العربي.

حيث يبتعد أسلوبنا عن التشنج أو التطاول والتلاسن أو التصيد ومحاولات الانتقام كما ذكر، ألا يمكن اعتبار هذه الإشادة شهادة تقييم؟!. لأن ما نقوم به ببساطة من أجل الارتقاء بالذائقة الأدبية لدى كل منا ومحاولة الاجتهاد على النفس والذات لتشكيل الوعي الشخصي وتنميته. فالهدف الأساس هو تنمية المعرفة الشخصية والذاتية والاشتغال عليها بجدية في جو من الاحترام والود ليس الا.

* ألا تنوون نشر إصدار يتضمن تقاريركم ومناقشاتكم لهذا الكم من الأعمال الإبداعية؟

ـ بلى؛ الحقيقة فقد تكوّن لدينا كم جيد وسنتمكن من وضعه في كتاب، وسوف ندفع به إلى الطباعة بإذن الله، كما أننا في صدد تفعيل موقعنا الالكتروني (الملتقى) وتحديثه وهو يحتوي على كل ما تناولناه من أعمال أدبية، وغالبا ما تكون روائية، وتأتي بعدها وفي إطار ضيق المادة ذات الطابع الفلسفي.

حوار ـ فاطمة محمد الهديدي