قال حطاب الغابة متوسلاً وعيناه مرمدتان : «كنْ عادلاً وأنتَ تروي مأساة الغابة ! كن عادلاً أيها الولد الطيب وأنت تقود أسراب البط إلى منافيها الباردة» حطاب الغابة قال لي : «كنْ عادلاً وأنتَ تدوّر التاريخ في رأسك الصغير حينما تمسك غمامة سري وأسراري وحينما تجوب في تلافيفي وأعصابي وأوردتي ، فما كنتُ قادراً على الصمت بعد كل هذه الحياة ...»
كانت شمس الصباح تستقبل حطابي الأثير وهو يحاول أن يستجمع خيوطاً لا أراها بطبيعة الحال : «تذكّر أن عينيك هما تاريخ الغابة وأنت الشاهد الآخر من شهود الصمت الطويل ..» قلت لحطاب الحزين : «لولاك يا معلمي لما استطعتُ أن أكون. أنني أحتاج إلى صوتك وغنائك في كل حين .»
قال معلمي : «ستجد في عينيّ غابة سوداء مثل شعر الغجريات الكثيف. لن تجد صوتي. لن تجد غنائي..»
«وماذا أحتطب من غابتك الكبيرة إذا كففتَ عن الغناء ؟» نزلت دمعة واحدة فقط من إحدى عينيه وتوقفتْ على نقرة خده مثل نقطة بيضاء. كان يهذي وينشج ، مختنقَ العبرات، فاقدَ الأمل، حزيناً، كئيباً، وحيداً، أعزل إلا من روح شقية ترفرف حوله؛ فيما كانت دمعته تروي :
«ستجد في الغابة ما لا تجده في الحياة. كل إنسان له غابته. ولكن غابتي لم تكن مثل الغابات. لا تعجب لو وجدتَ فيها ما لا تجده في غابات الآخرين: غابة شائكة من الأشجار والأوراد والجذوع والأوراق والأشواك؛ غابة من الضوء والظلام والنور والعتمة والبروق والرعود والقرود والوميض والغيوم والطيور
والأمطار والأزهار والأنهار والأكواخ والسقائف والقصب والرائحة والنخيل والأعناب والكروم والشموس والمجرات والأنفاق والعصافير والحشرات والهوام والأفاعي والثعالب والثعابين والأنياب والخناجر والسموم والأراجيح والفراشات والروث والسواقي والرياح.
ستجد في غابتي البشر وأشباه البشر؛ روائحهم الكريهة والطيبة، مِسْكَهُم وعنبرهم ونتانتهم؛ الحمير الضالة والذئاب الشرسة والكلاب الوفية؛ الغجر الجوالين والسعادين النطاطة والملائكة والنمور والضواري والسلاحف والزواحف؛ الخائف والمخيف ؛ الواقف على قدره أبد الدهر والنائم تحت عرائش غناه أبد الدهر،
الليل والنهار والفصول المتبدلة، الكتب الصفراء والخضراء والبيضاء والشخصيات المبهمة وأبطال الوهم منزوعي الأظفار والأسنان؛ مسلات الماضي وقوانين الكذب الرسمية؛ النساء ورسائل الغرام والأمنيات والأحلام والأوهام والخطايا والآثام. الراصد والمرصود.الحرب ،الحبر ،البحر.
البكاء والنحيب والضحك والموت والتوابيت والنعناع والشظايا والرصاص والمدافع والحصارواتعاش القلوب .الغدر والخناجر والسيوف والجمال والقبح؛ السواد والبياض؛ المهود والنهود والنعوش والكروش والقبور والمدافن والصراخ والعويل؛ ستجد اللصوص الرسميين وقطاع الطرق الهلافيت والصعاليك الناشزين والحزبيين المتلونين حيثما مالت الرياح؛
الثوار المغدورين وبائعي الضمائر والنخاسين؛ العفاريت والقوميين والعمائم المصفحة وأصابع الجرحى ويأس ألفقراء وأوتار الموسيقى وكنائس الآحاد وشق الأزياق والندّابات والسحر والمجون والخلاعة والعشق وحميمية الصبايا وشبق الطيور ورقصات مجد طفولي آفل وحب بعيد طوته السنوات .
ستجد في غابتي غناء الحيتان ونفاق الأشجار وتكشيرات الضفادع وجذام الخيول؛ خرير الألم وأصوات المذابح ورعد الجبال وزلازل السنوات. الفئران والجرذان والنسوان والأفنان والأكوان والثيران والأغصان والأحزان والغدران والألوان والنيران؛ الشموع والأصابع والدموع؛ العبيد المستضعفين والأحرار المكبلين بقيود الحرية التي لا تأتي أبداً،
الحرامية والسفاحين والذباحين والنبّاحين والأتقياء والأنقياء والأبرياء والأشقياء، الكذابين والوصوليين والمنافقين ومشعلي الحروب ومروجي الفتن ودفاني المزهريات وقارئات الفناجين وماسحي أحذية النسور والصقور ونافخي الأبواق ومهندسي المآتم والسرادقات ومطبلي القصور ودفاني البراعم وحاملي الأوسمة الكذابة والشارات السود وأنواط الصفيح
ولاعبي السيرك ومدبجي القصائد الطويلة والمهرجين الظرفاء،اللطفاء،الكرماء،الحكماء،العظماء ،اللؤماء، ستجد بخور الأولياء وأبخرة المرضى ورقصة الفساتين وانحسار المياه بين أصابعي وطوفان الحدائق في مدارات السرطان؛ ستجد في غابتي الأشعار والأطيار والأخبار والأنوار والأهوار والأفكار. النمور الجريحة والغزلان النابحة والأرانب الشقراء.
غابتي فسيحة وغامقة كلوحة سكران. ستتعبك أيها الولد الطيب وأنت تجوس في أطرافها وأعماقها وحواشيها ومماشيها ودروبها الضيقة الوعرة. كن عاقلاً وعادلاً وأنت ترى ما ترى؛ وأرّخ تاريخها بالمسامير والمثاقب والمفكات لتصل إليها عارياً إلا من حقيقتك وحقيقتها.
قلْ ما تشاء واكتب ما تريد وعليك أن تنتقي قلماً من نار لا من حبر يتبخر. أريدك أيها الولد الطيب أن تُري الآخرين حياتهم من غابتي، أريد أن أبث إليكم حياتكم عبر حبر المطابع وأكاذيب الورق وصولجان الألسنة الطويلة.
(2)
أفحمتني دمعة حطاب الغابة بهذا الدفق العجيب كالنهر الجارف والذاكرة النيئة كعجينة الخبازات.
كان ينقر الكلمات كطائر الخشب،
وينتقي المفردات كمعلم القراءة،
فيبيضّ لسانه كلسان الطفل الولود،
ويتألق وجهه كوجه العروس الخافر.
لم أشأ تكدير صفو الحطاب الجميل. قلتُ لهُ:
«أنت مني وأنا بعضك .. أنت بعضي وأنا منك وفيك وإليك، ولكن يا معلمي هل أقدر أن أكتب كل تاريخ الغابة ؟؟»
قال لي:
«لن تقدر فذاكرتك خربتها الشظايا والحروب..»
قلتُ:
«الحروبُ مضتْ..»
قال الحطاب:
«والحياة مضتْ أيضاً، لن تقدر على الإتيان بمعجزة لتعيد إليك ذاكرتك.»
قلتُ: لأحاول.
قال: حاولْ ..
يتبع
وارد بدر السالم